فيلم «بكالوريا».. يحدث فى رومانيا أيضًا!

كانت مفاجأة جميلة حقًا من وجوه عدة، عندما شاهدتُ فى آخر أيام مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، فى دورته الثامنة والثلاثين، الفيلم الرومانى الرائع «بكالوريا»، أو «التخرج» الذى جعلنى أزداد يقينا بأن الفن الجميل، الممتع، قادر على تجسيد هموم الإنسان وقلقه وتوتراته وأسئلته المزعجة فى مواجهة ذاته والعالم، فى كل مكان من هذه الأرض، دون أى إهدار أو محو للخصوصية الثقافية أو الوجدان الجمعى لشعب من الشعوب.

لم أكن أتخيل أن ما أشاهده على شاشة السينما فيلما «رومانيا»، «أوروبيا»، «غربيا».. أبدًا، ما أراه أمامى أداء وتمثيلا «مصرى مائة فى المائة»، أسرة رومانية متوسطة، الأب طبيب فى الخمسين من عمره تقريبا، ابنته «إليزا» طالبة متفوقة تستعد لامتحانات «البكالوريا» أو نهاية التعليم الأساسى تمهيدا للالتحاق بالجامعة، بسبب تفوقها واجتهادها الدراسى تتحصل على منحة لاستكمال تعليمها الجامعى بجامعة كمبريدج فى بريطانيا شريطة أن تحصل على درجات لا تقل عن 90 فى المائة.

تتعرض إليزا لحادث مفزع وصادم فى أول أيام امتحاناتها، بسببه تتعرض البنت لهزة نفسية عنيفة فضلا عن الإصابات الجسدية التى لحقت بها. من هنا، تبدأ رحلة الفيلم «الدرامية» الإنسانية الجميلة، عبر سيناريو شديد الإحكام ومتماسك للغاية، وحوارات ممتازة تخلو من الثرثرة والزوائد، كل كلمة فى موضعها وكل جملة تضىء منطقة ما وتكشف جانبا خفيا من الشخصيات أو تؤدى إلى تطوير الأحداث، وصولا إلى المشهد الأخير.

عقب مشاهدة الفيلم، تصورت أننى أمام فيلم لعاطف الطيب! الاهتمام بأدق وأصغر التفاصيل، المشاعر الإنسانية المعقدة بين أب وزوجه (تقريبا هما منفصلان تماما)، الأب وأمه العجوز التى لا تشك لحظة واحدة أنها عجوز مصرية طيبة ودود تحب ابنها وتحب حفيدتها حد الجنون، الأب وعلاقاته الاجتماعية والمهنية فى محيط تنقلاته؛ بين المستشفى وقسم الشرطة وبيوت بعض المسئولين النافذين فى رومانيا.

يتحرك الأب كما يتحرك أى أب مصرى فى عمره، تلك الحركة المستمرة الدءوب التى لا تهدأ، لا راحة ولا هدنة ولا وقت مستقطعا، السعى المتواصل للوفاء بالالتزامات والمسئوليات التى لا تنتهى، ما بين الهم الأسرى والشخصى والمهنى والإنسانى العام. تكاد تلهث وأنت تلاحق الطبيب الذى تقريبا ظهر فى كل مشاهد الفيلم، قد تختلف معه، قد تحنق عليه، بل ربما تسبه فى سرك غضبا وسخطا، لكنك لا تملك إلا أن تتعاطف معه، وتبكى من أجله، وتهب قسطا وافرا من مجهودك للدفاع عنه ومساندته.

لو شاهدت البناية التى تسكن فيها أسرة الطبيب، ولم يكن هناك أى إشارات ترجمة أو حوارات تقول إن هذا الفيلم «رومانى» لتصورت أنك بإزاء مساكن أبناء الطبقة الوسطى المصرية (أو ما تبقى منها!) فى بعض المدن الجديدة! من المشهد الافتتاحى وأنت مشدود بكاملك لمتابعة التفاصيل والسرد والحوار، تنجذب بكامل حواسك لمتابعة الأحداث وأنت فى حالة اندماج كامل مع هذا الأب الذى تتصارع بداخله أمور متناقضة وغريبة؛ لكنها إنسانية وواقعية ومحتملة الحدوث بل هى بالتأكيد تحدث دائما هنا وهناك وفى كل مكان توافر شرطه الإنسانى والاجتماعى والثقافى لحدوثه.

شخص مكافح وطبيب متميز وجراح مرموق، يحيا حياة تبدو بسيطة للغاية فى شقة متواضعة ولديه سيارة أكثر تواضعا، حياته الزوجية تبدو فاترة ومملة، لكنه لا يقصر فى أداء مسئولياته تجاه زوجته البائسة المحطمة وشريكة الحلم المجهض، يزور أمه العجوز ويلبى طلباتها، أما ابنته فقد وضع فيها كل ما أراد أو أراد أن يعوضه من حلم الدراسة خارج رومانيا والهروب من الأوضاع السيئة التى يبرزها الفيلم بنعومة و«شياكة» ودون صخب أو ضجيج أو «دوشة» من أى نوع.

يظهر الفيلم المجتمع الروماني؛ مجتمعا شرقيا فى جذوره أكثر منه غربيا أوروبيا خالصا، الفساد الضارب بجذوره فى الجهاز الإدارى، لكن ما زال هناك دور قوى للرقابة والسعى لعدم إفلات الخارجين على القانون، تقع جرائم وحوادث اعتداء لكن الشرطة لا تكل ولا تمل فى سبيل الوصول إلى المجرمين ومرتكبى الجرائم.

انغمست بالكلية فى التفكير والتأمل فى هذه التفاصيل التى أشاهدها فى هذا الفيلم الجميل، الباهر، الذى عرض فى مهرجان «كان» الماضى، وعنه حاز المخرج الرومانى كريستيان مونجى Cristian Mungiu جائزة مستحقة وبجدارة. قلت فى نفسى: الإنسان هو الإنسان، همومه ومشكلاته، أزماته وتناقضاته، وتبقى دائما مشكلته الكبرى فى البحث عن توزان مفقود بين قيم حقيقية يؤمن بها ويسعى لتحققها لكنه يصطدم كل لحظة بمن يهدرها.. الأمل دائما فى المستقبل!

المزيد من: ANA-News

    أضف تعليق