الفيلم العراقي "الرياح السوداء"

سمع المهتمون وقرؤوا شهادات اليزيديات اللواتي اختطفتهن "داعش" وقامت بتعذيبهن واغتصابهن وبيعهن سبايا على اعتبار أنهن "أسيرات حرب"، شهادات كثيرة ومؤلمة عن تجربة غاية في القسوة والألم، لكن رواية حكاية إحداهن سينمائيا تعتبر أمرا جديدا، وهو ما تناول فيلم "الرياح السوداء" للمخرج العراقي الكردي حسين حسن المشارك في مهرجان دبي السينمائي في دورته الـ 13 ضمن فئة مسابقة المهر الطويل للأفلام العربية.

ويحكي الفيلم قصة استعادة فتاة يزيدية "بيرو" خطفتها داعش في العراق وباعتها من أجل الجنس بعد أن كانت تخطط للزواج من "ريكو" عامل الأمن في شركة نفط أميركية في كردستان العراق.

فيلم حسين يقترب من موضوع يطرق لأول مرة سينمائيا - في حدود علمنا - على ضوء حداثة القصة التي تعرضت لها المئات من الفتيات فيما تم تشريد عشرات الآلاف من أبناء هذه الطائفة، وهو يكمل صورة قاتمة من التاريخ الإنساني الحالي.

وكعادة الأفلام القادمة من كردستان العراق تختار لنفسها موضوعا جوهريا وتغوص فيه، يرينا المخرج الحياة اليزيدية وتفاصيلها الاجتماعية من عادات وطقوس، حياة مليئة بالود والمحبة وما هي إلا لحظات وتهب رياح داعش السوداء قاضية على الأحلام ومدمرة البيوت وقاتلة البشر.

يهرب أهل القرية من بطش داعش فيما تختبئ مجموعة من الفتيات في مكان ديني لتكتشفه داعش وتقودهن سبايا ومن ثم يبعن لمجموعة من الأثرياء.

لكن "ريكو" لا يستسلم لهذه النهاية المأساوية، فيهيم باحثا عنها أملا في استعادة حبه، وبعد جهد يتمكن من ذلك ليعودا إلى المخيم الذي أصبحا يسكنانه وهناك يحدث الصراع النفسي الأعمق داخل كل من "ريكو" و"بيرو" وعائلتيهما.

يرينا الفيلم كيف ينظر المجتمع المحيط لضحية حطمها سلوك "داعش" من دون أن يكون لها حول ولا قوة، النظرات القاتلة التي تفترسها وعائلتها، حتى الأب ونظراته الحائرة بين ابنته وسكان المخيم وقناعاته الاجتماعية، يضعنا الفيلم أمام حقيقة ما جرى فعلا للفتاة التي سعدنا بداية بعودتها لخطيبها لكن أمام نظرات الاحتقار والمحاكمة وأحاديث النميمة من مجتمع لا يرحم تتمنى "بيرو" الموت.

تمر الفتاة بلحظات صعبة في سبيل تجاوز ما وقعت به، ولا يخفف عنها سوى دفء صدر والدتها، ومحاولات خطيبها المستميتة بزرع الأمل في قلبها، ومع كل محاولة للخروج من حالتها النفسية عبر الشيوخ والأولياء تعود إلى حالتها الصدمة مع كل مثير سواء صوت أذان ذكرها بصرخات داعش "الله أكبر"، أو عبر مشهد سيارة الإسعاف وهي تنقل المصابين في حادث عرضي بالمخيم.

تصل القصة إلى ذروتها مع اكتشافها خبر حملها، هنا العقدة الأكبر في بناء الفيلم وقمة التشويق فيما سيجري مع هذه الفتاة الضحية، تتعمق الحيرة القاتلة وسط الأسرة اليزيدية وتفشل الأم في قتل الجنين بالطرق التقليدية ويقرر حبيبها الهرب تاركا إياها لمصيرها المجهول.

ولا يتركنا الفيلم أسرى الوجع والألم بل يضعنا في لقطة عامة حيث العاشقان قبالة الماء وبينهما مسافة صغيرة هي مقدار الوجع وهي ما نحتاجه من أمل لتستمر قصة حب بالحياة.
في ذلك كله اختار المخرج لونا التراب الصحراوي لشريطة السينمائي وهو اللون الأقرب للبيئة في كردستان العراق، تاركا الشريط بأقل استخدام للموسيقى التصويرية.

يعمق الفيلم قناعاتنا بأنه في أكثر اللحظات قسوة نحن بحاجة للسينما لتكشف لنا حقيقة الوجع الإنساني العميق والقاتل، سينما ترينا تلك الحيرة على احتماله والاستمرار بالحياة به، حيرة عجيبة تجعلنا نشعر بالعجز التام وكأن ما فعله المجرمون بنا كسرنا تماما.

ووسط ذلك نحن بحاجة لسينما حالمة تعطينا القدرة على التجاوز وتحرضنا على الاستمرار بالحياة بعيدا عن نظرات الاحتقار لفعل لم نرتكبه أبدا، إنما وقعنا فيه لفشلنا جميعا في حماية أنفسنا، بحاجة لسينما لا ترينا ماذا تفعل الحرب بحكاية العاشقين بل ترينا انتصاراً لهذه الحكاية على المجتمع المحيط والأعداء المجرمين على السواء.

حسين حسن: مخرج وكاتب وممثل كردي معروف. عُرض فيلمه الروائي الطويل الأوّل «زهرة النرجس» (2006) في قسم بانوراما في مهرجان برلين السينمائي، وفاز بجائزة منظمة العفو الدولية. كما عرض فيلمه الطويل الثاني «البقاء» (2009) في مهرجان بوسان. لعب ممثلاً دور البطولة في فيلم «ذكريات منقوشة على حجر» (2014) الذي حصل على جوائز عدة. وظهر أيضاً في فيلم «مردان» (2014)، الذي عُرض في «مهرجان دبي السينمائي الدولي».

المزيد من: ANA-News

    أضف تعليق