مواضيع مشابهة

يا ليتني كنت نسيا منسيا!

اخيرا اتى هذا اليوم المنتظر، يوم العرس الكبير ، كم حلمت "ياسمين " ان تضمها جدران منزل واحد مع "أمجد " ! ، وكم كانت تسهر الليالي متخيلة نفسها بين أحضانه تحت سقف واحد ، وأولادهم يلعبون في فناء الدار ، فرحة "ياسمين" باقترانها بأمجد الذي انهى خدمته العسكرية وعاد الى قريته ليتزوج ابنة عمه لا توصف، بعد سنتين من الخطبة التي تحدثت عنها القرية ، حين أُعلن ان أجمل بنات القرية قد خطبها أكثر شبابها ذكاء ورجولة ، 
أسابيع مرت على ليلة العرس ، وشهر العسل لم تكتمل ايامه التي كانت تزداد حلاوة بعد ان خيم الحب والدفء على بيتهما الصغير ، اثار الحناء كذكريات يوم العرس لازالت مرسومة على كفوفها .و في كل ليلة تتوسد "ياسمين" ذراع "امجد" فتشعر بالطمأنينة، وتنام قريرة العين ، تكمل احلامها بأطفالهما القادمين.
ولكن تلك الليلة كانت مختلفة ، فقد مزقت ظلمتها وسكونها ضجيج اليات وصلت الى بابهم ، واحذية ترفس الابواب، وصراخ اصوات تنعق، ، همست "ياسمين" في اذن زوجها .... أمجد... انا خائفة .......وبهدوء الواثق أجابها: ...لا تخافي نحن لا علاقة لنا بما يحدث ...نحن عرسان ...ابقي في الفراش ، وسانهي الامر مع الشباب واعود اليك .تبسمت في وجهه ، بينما كان الرعب يجتاحها من قمة راسها حتى اخمص قدميها ، حتى باتت ترتجف بردا رغم حرارة الطقس ، وبينما يبتعد بخطوات الواثق أخذت "ياسمين " تصغي بكل حواسها الى محادثة بدت لها غير متكافئة.
ارتعدت حين سمعت صوت تلقيم سلاح... وسؤال نزق : (وين مخبي السلاح ولاك حيوان ؟ ) ، تغير صوت زوجها الرجولي الى صوت طفولي : والله يا سيدي ما عنا سلاح .... نحن عرسان ...
الصوت الاخر يقول :أين يختبا اقربائك احمد وحسن وسمير؟ ..... يا أولاد الزانية ويا اولاد ؟؟؟، صوت زوجها المتهدج : والله يا سيدي ما بعرف شي عنهم، انا من شهر ونص بالبلد وكنت عسكري عند سيادة العقيد ابو حبيب .
وفجأة تقفز هلعا من سريرها حين تسمع صرخة عظيمة تنطلق من حنجرة زوجها ، صرخة الم، لم تميز افي نهايتها الا كلمات - الله يخليكم انا لا علاقة لي - . 
وبدون شعور نهضت " ياسمين " من الفراش وضعت الشال الملون على راسها ، واتجهت الى الهاتف عسى ان تستعين بأحد ليخلصهما من هؤلاء الوحوش، ورغم انها تعرف ان الهواتف مقطوعة منذ ايام فقد كانت تحاول ان تفعل شيئا . 
لم تتردد كثيرا فقد خرجت لترى ما يمكن ان تفعله لتنقذ زوجها من براثنهم ... شاهدته مكوما على الارض ، ينظر اليها بوجل وذعر وخجل ، وهو يقول : سيدي اتركوا زوجتي تخرج من هنا ، هي امرأة ولا علاقة لها ، وانا اعملوا فيي ما بدا لكم ، الله يخليكم اتركوها تخرج من هنا ، هي فتاة وضلع قاصر.
صوت قاسي اجش ينطلق من وجه اصفر ،وعينان جاحظتان ، تمتلئان لؤما وحقدا ، وراس خال من الشعر ومن الرحمة ...يأمر زبانيته .....اخرجوه .
نظرات زوجها لا تنسى ..... كانت نظرات غريبة يمتزج فيها الخوف والرهبة والرجاء والحنان والحب والخوف ، ثواني توقف بها الزمن ، وتبادلت العيون الكلمات ، تمكنت عيونها من فهم كل المشاعر التي ذابت جميعا في عقلها المتحفز 
فسيطر الرعب والخوف على تفكيرها. 
اشهر مرت على تلك الحادثة اللعينة، ولاتزال تلك النظرات ماثلة امامها كأنها تعيش اللحظة ، ولازالت ترتجف وتسقط على الارض لا تحملها رجلاها كلما تذكرت تلك النظرات، ولازال صراخ زوجها يتردد على مسامعها بقوة كما في تلك الليلة ، ولاتزال الدموع تجري انهارا في ماقيها كلما عادت الى مخيلتها تلك الذكريات .
صمت زوجها وربما الى الابد ... وقالوا لها : انهم سيتركون له هدية ...عيونهم البراقة أفهمتها رغباتهم، ونظراتهم الى جسدها اشعرها بخطر عظيم قادم ، وجدت مهربا في باب غرفة النوم، فهربت لتختبئ من نظراتهم التي بدأت بتناولها .
وعلى فراش الزوجية، نفس الفراش الذي منحها صفة زوجة منذ شهر وحولها من فتاة وطفلة الى سيدة وزوجة .رموها كما يرمى شوال من البطاطا ، وتناوبوا على انتهاك عفتها وشرفها ، حتى غابت عن الوعي . 
بعد ساعات استيقظت ، اعتقدت للوهلة الاولى انها كانت تحلم بكابوس، ولم تصدق عيناها ، ولكن الالم والثياب الممزقة ووجها المتورم امام المرآة، اعاداها الى واقع مؤلم فلم تتمالك نفسها من البكاء ، حزنا والما وقهرا ، بكت شرفها المستباح، وزوجها التي فهمت أنه ذبح كالنعاج . 
سالت الدماء في بيت الزوجية ، دماء عفافها وشرفها ، ودماء زوجها ، جسدها الممشوق ، ووجها الجميل، وصوتها الرقيق كانوا نقمة عليها ، فأصبحت وليمة للوحوش وملذة لعديمي الضمير و لنزوات الشياطين .
شمس صباح تلك الليلة دخلت بخجل الى منزلهم، بعد ان تسلل الصباح من الظلمة الحالكة وتنفس نورا معبرا عن قدومه ، الصمت مطبق حولها ، حتى ديك جارتها "ام محمد" شاركها حزنها فلم يعلن في ذاك اليوم عن سعادته بقدوم الصباح ، ليلة سوداء حاكتها تلك الوحوش البشرية من ابناء بلدها ، يتكلمون نفس اللغة ويحملون نفس الجنسية ، وربما يدينون بنفس الدين ، ولكنهم ليسوا سوى كائنات متوحشة ، انستهم غرائزهم وحقدهم كل المشاعر والقوانين والاعراف والتقاليد .فالتهموا اختهم ! في حفل اغتصاب جماعي . 
كانوا يستمتعون بتوسلاتها ، ودموعها كانت تشفي ساديتهم ، وقد اصروا بلؤم غريب على ان لا يغتصبوها الا بعد ان يستمعوا الى توسلاتها ، ويجيرونها على تقبيل ايديهم وارجلهم توسلا وخضوعا .
لا تدري عدد المرات ، ولا عدد الأشخاص، وكل ما تدريه أنها تحولت الى ماكينة لإشباع نزواتهم وشهواتهم ، النزف لم يعد يتوقف ، والالام لم تعد تحتمل ، والبكاء والصراخ تحول الى نحيب خافت بعد ان جفت المآقي ، وعلى ضفة الموت قرروا أن يتركوها ، بعدا أن اطمأنوا انها لن تروي لا احد ما حدث لها والا سيكون القتل عقابا لها ـ وهل تستطيع فتاة شرقية من قرية ان تخبر احد عن هول ما حدث لها ! لو حدث فان اخوتها ووالدها وابناء عمومتها هم أول من سيتخلص من عارها .
يوم مر نذرته لبكاء الامها ، واخيرا ومع غروب الشمس غاب الغربان يجرجرون ذكريات مرحهم الذي خلف جسدها العاري مكوما على فراش تملؤه الدماء ، وفي الليل بعد ان حل الظلام على القرية ، ذاك الظلام الذي حل على حياتها ، تمكنت "ياسمين " أن تهرب من المنزل ومن القرية ومن عارها ومن الموت ، واتجهت الى الحدود الاردنية ، 
وبوصولها الى هناك بدأت تسير مشيا على الاقدام نحو الحرية ، لم تكمل الطريق فجسدها الغض المغدور خذلها ولم تدري بنفسها الا بعد ساعات على سرير المشفى فقد تم انقاذها من حرس الحدود الاردني ونقلت الى هناك ، حيث شخصوا حالتها الطبية بتمزقات شديدة في اماكن حساسة من جسدها ، فقر دم ، لم تتماثل للشفاء من مضاعفاتهما حتى اليوم .
"ياسمين" اليوم جسد بدون روح ، مهجرة قسريا فهي لا تستطيع العودة الى أهلها . ولا تتحمل شظف وقساوة العيش في المخيمات ، "ياسمين" باتت تكره الرجال، وحتى انها رفضت ان يلمسها أي طبيب فقط لأنه رجل! 
حاولت " ياسمين" الانتحار لتتخلص من عار ستحمله طوال حياتها ، احلامها اغتيلت فلن يكون لديها أطفال، ولا بيت تسكنه ، ولا زوج تركن اليه ، ولا اهل يحمونها ، كل ما تملكه اليوم ذكريات مؤلمة ، الام اغتصاب ، عذاب ومعاناة ورغبة في الانتقام ، وتقول انها تخاف ان تتحول الى وحش بشري تنتقم من الجميع .
 
تقول ياسمينة في نهاية لقائنا : لا ادري كيف أحقق حلمي بالانتحار ، ياليتني كنت نسيا منسيا ، انتحر ، لولا الخوف من رب العالمين لما تكلمنا اليوم سويا ، الموت و نعمة ، ليتهم قتلوا جسدي كما قتلوا روحي ومستقبلي ، ليتني مت ولم ارى نفسي هكذا .
 

المزيد من: