الفساد ورسالة محامي ترامب للرئيس الروماني

تقارير وتحاليل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

في جديد تطورات الأزمة السياسية في رومانيا، وخلافات المعارضة مع تحالف الأحزاب الحاكمة بزعامة الحزب الاجتماعي الديمقراطي بزعامة رئيسه دراغنيا، تطل على مسرح مكافحة الفساد السياسي الروماني شخصيتان جديدتان هما السياسيان الأمريكيان: رودي جولياني، المحامي الشخصي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعمدة مدينة نيويورك السابق، والمستشار القانوني الذي يتلقى أتعابه من شركة استشارية عالمية، ومعه الرئيس السابق لـ«وكالة التحقيقات الفيدرالية (إف بي آي)» لويس فريح، فيبعث الأول، جولياني، برسالة إلى رئيس رومانيا ومسؤلين سياسيين آخرين في البلاد، والآخر يقترح خطة إصلاح لعمليات مكافحة الفساد، فأما جولياني فقد أرسل الأسبوع الماضي رسالته التي تتناقض في مضمونها مع الموقف الرسمي لحكومة الولايات المتحدة الذي تعبر عنه الدبلوماسية الأمريكية، وفي ثنايا رسالته تجده يطالب المسؤلين الرومان  بالتحقق من البروتوكولات بين مكتب المدعي العام لإدارة مكافحة الفساد الرومانية وجهاز المخابرات الرومانية ووقف الضغوط على القضاة المحليين، منتقدًا ما أسماه تجاوزات الإدارة الوطنية لمكافحة الفساد في رومانيا، وذلك خلافًا لسياسة وزارة الخارجية الأمريكية التي تدعم جهود إدارة مكافحة الفساد الرومانية وتشيد بإنجازاتها.

على الرغم من أن رسالة جولياني لا تدعي أنها على صلة بالرئيس ترامب، إلا أن الساسة الرومانيين الذين كانوا يسعون إلى إضعاف قوة إدارة مكافحة الفساد الرومانية استخدموها بالفعل لبث الشك في موقف حكومة الولايات المتحدة، ففي الرسالة المؤرخة في 22 أغسطس (آب) ونشرتها بعض وسائل الإعلام الرومانية، كتب جولياني أن إدارة مكافحة الفسادالرومانية قد تجاوزت حدودها، بما في ذلك: الضغط على القضاة ومحامي الدفاع والشهود، واستخدام وسائل التنصت على المكالمات، وانتزاع اعترافات قسرية واتباع إجراءات قضائية جائرة.

 استهل جولياني رسالته الموجهة للرئيس الروماني بقوله: أكتب إليكم لأعرب عن مخاوفي بشأن استمرار الإضرار بسيادة القانون في رومانيا الذي يجري تحت غطاء إنفاذ القانون. وأضاف: هذا الضرر يؤثر تأثيرًا سلبيًا بشكل مباشر على تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر في رومانيا؛ لأنه لا يوجد مستثمر عقلاني سوف يستثمر الأصول في مكان يخضع فيه حكم القانون والنظام القانوني للتلاعب من قبل من هم في السلطة، واعترف جولياني بأن رومانيا قد خطت خطوات مهمة نحو تفعيل سيادة القانون، لكنه قال: إن تلك الجهود تم تقويضها بشدة؛ بسبب تجاوزات إدارة مكافحة الفساد الوطنية في رومانيا في عهد رئيستها السابقة، لورا كودروتا كوفسي على القضاة ومحاميّي الدفاع والشهود، وأعمال التنصت على المكالمات بشكل غير دستوري، والضغط على المتهمين للحصول على اعترافات قسرية، وإجراءات قضائية أخرى غير عادلة، وأضاف جيولياني: لقد ساءنا خلال الأشهر القليلة الماضية العلم بوجود بروتوكولات سرية وقعتها المؤسسات العامة المختلفة مع جهاز المخابرات الرومانية.

فما الذي دفع المحامي ترامب لتوجيه هذه الرسالة الحريصة على الديمقراطية وسيادة القانون في رومانيا والتي تبرأت منها وزارة الخارجية الأمريكية وأنكرت أية صفة رسمية لها، في حين أنه مرسلها الناصح المخلص يظهر بانتظام في وسائل الإعلام كممثل عام لترامب، والذي ذكر أن رسالته كانت مبنية على تقرير راجعته، وأُعد من قبل مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية السابق لويس فريح، الذي يدير مجموعة شركات استشارية عالمية، وقال جولياني عن مجموعة فريح: إنهم يدفعون أتعابي، وبأنه يتصرف نيابة عن عميل روماني. فلا بد إذًا من أن يكون هذا العميل ذا نفوذ لأنه استطاع الوصول إلى محامي الرئيس.

من جهة أخرى أعربت وزارة الخارجية الأمريكية عن قلقها إزاء الاضطرابات السياسية الأخيرة في رومانيا فيما يتعلق بممارسات مكافحة الفساد، بما في ذلك إقالة المدعي العام لمكافحة الفساد في البلاد، لورا كودروفا كوفيسي، والذي كافح رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم في رومانيا، السيد ليفيو دراغنيا كفاحًا شرسًا من أجل الإطاحة بها بأي ثمن. بسبب دورها الملحمي في حرمانه من الحصول على منصب رئيس الوزراء بسبب توجيهها له تهمة محاولة التلاعب في استفتاء عام 2012، والتي حكم عليه فيها بالسجن مع وقف التنفيذ.

من جانبه رحّب دراغنيا علنا​​ً بالرسالة، حيث صور جيولياني كممثل للولايات المتحدة. وقال في بيان له: إن الخلاصة المريرة لهذه الرسالة هي أن الثقة في النظام القضائي الروماني تزعزعت بشكل خطير عندما يتعلق الأمر بالشركاء الأجانب والمستثمرين الأجانب.

لكن كلامه هذا قد ووجه بالانتقاد من المسؤولين في كل من رومانيا والولايات المتحدة. فعلى الجانب الأمريكي قال السناتور الأمريكي كريس ميرفي، وهو ديمقراطي سبق له أن أعرب عن قلقه بشأن الإطاحة بلورا كوفيسي المدعي العام لإدارة مكافحة الفساد الرومانية: إنه إذا كان رودي جولياني يريد أن يكون محامي ترمب والمتحدث الرئيس باسمه، فإنه لا ينبغي عليه أن يتخذ مواقف عامة في السياسة الخارجية مثل هذا الموقف بالنيابة عن عملاء آخرين يدفعون له الأجر.

وقال ميرفي: إن رسالة جولياني يمكن أن تقوض جهوده وجهود السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين لجذب الانتباه إلى الفساد في رومانيا.

ورفض متحدث رسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية التعليق مباشرة على الرسالة قائلًا: لقد أظهرت رومانيا حتى وقت قريب تقدمًا كبيرًا في مكافحة الفساد، وبناءً فعالًا لسيادة القانون، وقال المتحدث: نحن نشجع الرومانيين على الاستمرار في هذا الطريق.

أما السفير الروماني لدى الولايات المتحدة جورج مايور فقد قال إن الرسالة جزء من لوبي بدأه أشخاص مهتمون بالدفاع عن شخصيات لديها مشاكل مع نظام العدالة الروماني.

ولكن سرعان ما استدعت وزارة الخارجية الرومانية السفير، الذي كان أيضًا رئيس جهاز مخابرات سابق، لتوبيخه على تصريحاته، ولاتخاذه موقفًا لم توافق عليه الحكومة.

وقال سيغفريد مورتان، وهو عضو في البرلمان الأوروبي من الحزب الوطني الليبرالي المعارض في رومانيا، في بيان مكتوب: إن الساسة الرومانيين من الائتلاف الحاكم الحالي الذي يحاول إضعاف حكم القانون سيستخدمون الرسالة للضغط على قضيتهم.

سيزيد التدخل في رومانيا من الانتقادات الموجهة لجولياني لقيامه بأعمال أجنبية أخرى، فبينما يعمل كمحامي شخصي لترامب، فقد مثل جولياني وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست» عملاء في البرازيل وكولومبيا ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

وكانت كوفسي، المدعي العام لمكافحة الفساد الرومانية قد حصلت منذ عام 2013، على كثير من الثناء من الهيئات الدولية بما في ذلك المفوضية الأوروبية، ومع ذلك فقد أصبحت أيضًا هدفًا للسياسيين الرومانيين الذين زعموا أنها تقصد من أفعالها مجرد جذب انتباه وسائل الإعلام.

وبعد أن دعا وزير العدل الروماني إلى طردها، رفض الرئيس الروماني كلاوس إيوهانس ذلك، لكن أجبر على ذلك بسبب قرار المحكمة في وقت لاحق إقالة المدعي العام كوفيسي من منصبها.

ما دفع ذلك بنائب الرئيس الأمريكي الراحل جون ماكين والسيناتور الديمقراطي ميرفي في حينه إلى إرسال خطاب إلى رئيس الوزراء الروماني فيوريكا دانسيللو يعبران فيه عن قلقهما، بالقول إنه في حين أن العملية القضائية مسألة داخلية، فإننا نحث الحكومة الرومانية على عدم التراجع في المعركة الهامة ضد الفساد، بالإضافة إلى أن الإصلاحات القضائية الأخيرة لإلغاء تجريم بعض جرائم الفساد، يثير أسئلة مقلقة حول استعداد حكومتك لمقاضاة الجرائم المالية ومحاسبة المسؤولين رفيعي المستوى.

وقد كان جولياني في رسالته قد أوصى بأن تقوم لجنة مستقلة من القضاة الدوليين والخبراء القانونيين بدراسة البروتوكولات وأثرها على مكتب المدعي العام لادارة مكافحة الفساد الرومانية والقضاة في جميع أنحاء رومانيا. وكتب جولياني في إشارة إلى المئات من قضايا القضاة الذين تم التحقيق معهم من قبل إدارة مكافحة الفساد في السنوات الأخيرة بقوله: يجب على حكومة رومانيا أيضًا ضمان عدم تخويف القضاة من قبل إدارة مكافحة الفساد.

يجب على رومانيا أن تثبت أنها لا تزال ملتزمة بالإجراءات القانونية الواجبة والشفافية وسيادة القانون. وسيتطلب هذا تصحيحًا للعديد من انتهاكات إدارة مكافحة الفساد الرومانية والمخابرات الرومانية، ويجب أن يشمل العفو عن الملاحقات القضائية المشتبه بهم والمدانين. إن هذا الالتزام بحكم القانون سيحسن أيضًا من توقعات المستثمرين نحو الاستثمار في مستقبل رومانيا، هذا ما أكده رودولف جولياني في رسالته التي اتخذ فيها نهجًا مختلفًا، عما قدمه جيمس فريح المدير السابق لـ«مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)» وصاحب مجموعة الشركات الاستشارية التي يعمل لصالحها جولياني؛ إذ اقترح فريح خطة عمل يسميها إصلاحية وتتكون من خمس نقاط لمعالجة ما أسماه (أزمة سيادة القانون) في رومانيا، وتضمنت الخطة تقديم مساعدة للأفراد الذين أدينوا دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة مع أدلة غير كافية أو غير قانونية أو بموجب بروتوكولات القضاة المتنازعين. كما ظهر أن فريح ينصح أحد المدعى عليهم الرومان باستئناف إدانته من قبل وكالة مكافحة الفساد في رومانيا. كما ذكرت مجلة بيزنس ريفيو، وهي مجلة باللغة الإنجليزية في رومانيا، وقالت: إن فريح موكل من قبل بويو بوبوفيتشي، وهو أحد أقطاب ملّاك العقارات الرومان، والذي حكم عليه بالسجن في قضية عقارية.

رودولف جولياني، البالغ من العمر 74 عامًا، كان محامًيا أمريكيًا للمنطقة الجنوبية من نيويورك بين عامي 1983 و1989 ورئيسًا لبلدية نيويورك في الفترة من يناير (كانون الثاني) 1994 حتى ديسمبر (كانون الأول) 2001. وبعد عام 2002، أسس شركة جولياني بارتنرز، وهي شركة قانونية تقدم المشورة لبعض العملاء الدوليين المثيرين للجدل.

وكان جولياني رئيس بلدية نيويورك السابق من داعمي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء حملته الانتخابية، وفي أبريل (نيسان) عام 2018، انضم إلى فريق ترامب القانوني، الذي تعامل مع الفضائح المختلفة التي شملت الرئيس الأمريكي، بما في ذلك الفضل المتعلق بتدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية.

وقد كان الائتلاف الحاكم في رومانيا، المكون من الحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة ليفيو دراغنيا، وتحالف الليبراليين والديموقراطيين من أجل أوروبا، بقيادة رئيس الوزراء السابق كالين بوبيسكو – تاريسينو، قد قاموا بإجراء عدة تغييرات مهمة على بعض مواد القوانين الجنائية في الأشهر الأخيرة. وقد أدت التغييرات التشريعية إلى الحد من بعض صلاحيات المدعين العامين، وأعطت المزيد من الحقوق للمشتبه فيهم. وزعم الائتلاف الحاكم أن هذه التغييرات ضرورية للقضاء على الانتهاكات في نظام العدالة المحلي الذي تحدده ما يسمى دولة الظل، وهي بنية غير رسمية يزعم أنها تضم ​​أعضاء من مؤسسات السلطة المحلية مثل المخابرات العامة، وإدارة مكافحة الفساد الرومانية.

بينما كان قد أعرب الرئيس الروماني كلاوس إيوهانس، وأحزاب المعارضة المحلية، وهيئات المجتمع المدني، بالإضافة إلى الشركاء الأجانب لرومانيا، عن مخاوفهم من أن التغييرات التي قررها الائتلاف الحاكم قد تضع السلطة القضائية تحت السيطرة السياسية، وجعل مكافحة الفساد غير فعالة لصالح بعض السياسيين المتهمين الذين قد تم التحقيق معهم أو إدانتهم بتهم الفساد، بما في ذلك زعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي السيد ليفيو دراغنيا.