قصة حياة «شاوشيسكو»

تقارير وتحاليل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

في عام 1918، وبالتحديد في 26 يناير (كانون الثاني)، شهدت إحدى القرى الريفية في  رومانيا (  بلدة سكورنيسستي في مقاطعة أولتينيا) مولد نيكولا شاوشيسكو، لينضم الطفل لأسرة مكونة من تسعة أطفال مع والدَيهم، في منزل صغير من ثلاث حجرات بلا كهرباء، والذي لا يزال مفتوحًا للعامة حتى الآن، باعتباره شاهدًا على مدى تواضع نشأة الديكتاتور.

كان أبوه مزارعًا بسيطًا، يمتلك قطعة أرض زراعية صغيرة، وبعضًا من رؤوس الماشية، ويعمل خياطًا في أوقات فراغه، محاولة منه لسد احتياجات أسرته الكبيرة، فلم ينل شاوشيسكو الابن حظًّا من التعليم باستثناء التعليم الابتدائي في مدرسة القرية الوحيدة حتى سن الحادية عشرة، عندها هرب إلى العاصمة الرومانية بوخارست، فرارًا من سيطرة والده المتزمت ومدمن الكحول، ليعيش في منزل شقيقته هناك، وبالرغم من أن هروبه إلى العاصمة لم يقض على معاناة الصبي الصغير بشكل تام، لكنه شكل نقطة تحول في حياته وفي تاريخ رومانيا بأسرها.

لم تكن حياة العاصمة أخف وطأة على شاوشيسكو الصغير، فاضطر للعمل صبي صانع أحذية يدعى أليكساندرو ساندولسكي، والذي لم يكن سوى عضو نشط بالحزب الشيوعي غير الشرعي حينها. وسرعان ما تورط الفتى في أنشطة الحزب، وانضم إليه في أوائل عام 1932. و باعتباره مراهقًا، لم يكن دوره ذا أهمية، إلا أنه كان بداية لدخوله في عالم السياسة، وإيذانًا بمولد الديكتاتور.

المشهد الثاني: السجن للرجال.. والديكتاتوريين أيضًا

مع انضمام شاوشيسكو لحركة شباب رومانيا الشيوعيين، وتنفيذه عمليات في العديد من المدن الرومانية، ألقي القبض عليه عام 1936، وصدر بحقه حكمًا بالسجن مدة عامين، لنشاطاته بالحزب الشيوعي، وستة أشهر إضافية لإهانة القضاء، والإقامة الجبرية لسنتين. ووصفته أوراق القضية «بالمحرض الخطر للشيوعية»، و«موزع لمواد دعائية مروجة للشيوعية ومضادة للفاشية». ومع انتهاء مدة سجنه وإطلاق سراحه، سرعان ما اعتقل مجددًا بتهمة التآمر ضد النظام الاجتماعي. تنقل شاوشيسكو بين عدة سجون هذه المرة، ليستقر في النهاية بمعسكر «تارجو جو»، وهناك ابتسم له القدر، فتشارك زنزانته مع الناشط الشيوعي البارز حينها جورجي جورجيوديج، والذي أعلنه تحت حمايته.

في حياة كل ديكتاتور يبدو أن هناك سُلمًا يتسلقه كي يصل به إلى المجد، هذا السلم قد يكون شخصًا أو حزبًا أو ظرفًا اسثنائيًّا تمر به البلاد، وبالنسبة لشاوشيسكو الفتى المراهق المتشرب بأحلام الزعامة كان جورجي جورجيوديج هو السُّلّم الذي ارتقاه كي يصل به إلى أعلى درجات السيادة.

لم يتوان جورجيوديج عن دفع الرشى لإدارة المعسكر، مقابل منح السجناء الشيوعيين الحرية الكاملة في إدارة الجزء المخصص لهم من السجن، طالما لم يحاولوا الهرب. استغل الناشط الشيوعي هذه الحرية لعقد اجتماعات «جلد الذات» لزملائه من أعضاء الحزب، إذ كان عليهم الاعتراف بعدم فهمهم قواعد الماركسية أمام الباقين.

لم يكن دور شاوشيسكو معروفًا في هذه الاجتماعات، إلا أن الكاتب الصحافي إيدوارد بيير في كتابه «قبّل اليد التي لا تستطيع عضها، نيكولا شاوشيسكو من الصعود إلى السقوط»، ادّعى أن مهمته كانت التعدي بالضرب على من يرفض هذه الجلسات، أو من لا يبدون حماسًا كافيًا حيالها؛ مما عزز من سيطرة جورجيوديج على الحزب، وجعل من شاوشيسكو رجله الأول، ليبدأ في سنوات سجنه أولى خطواته نحو السلطة، ومن سُلطة شاوشيسكو إلى سلطة من نوع آخر كان البشر فيها هم القائمون بالتحدي، الفائزون بالسيادة والخاسرون بالمبادئ أيضًا.

المشهد الثالث: جورجيو ديج.. السُّلم الذي أخذه شاوشيسكو معه

في عام 1944، كانت رحى الحرب العالمية الثانية دائرة، وفي أغسطس (آب) من العام نفسه، هرب جورجيوديج من السجن، ونصب نفسه رئيسًا للحزب الشيوعي، وعين شاوشيسكو سكرتيرًا للاتحاد الشيوعي للشباب. ومع احتلال الاتحاد السوفيتي، ونجاح الحركة المضادة للفاشية بها، تبدل موقف رومانيا لتشارك دول الحلفاء ضد ألمانيا النازية، وتتشكل حكومة جديدة، يتولى جورجيوديج فيها حقيبة وزارة الاتصالات.

ورغم عدم تأثير منصبه في صناعة الأحداث، إلا أنه لعب دورًا أساسيًّا في إطاحة رئيس الوزراء من منصبه، وشكل حكومة ذات أغلبية شيوعية، صار فيها شاوشيسكو وزيرًا للزراعة، ثم نائبًا لوزير الدفاع برتبة فريق. ولثقة أستاذه به، تدرج في المناصب داخل الحزب، حتى أصبح الرجل الثاني به، ووريث جرورجيوديج، في حين لم يتجاوز عمره السادسة والثلاثين بعد.

ومع وفاة أستاذه وأبيه الروحي عام 1955، تولى شاوشيسكو قيادة الحزب الروماني الشيوعي، وتسلم رئاسة مجلس الدولة عام 1967، ليصبح رسميًّا الرئيس الشرعي للجمهورية الشعبية الرومانية، وليتحقق حلم الفتى المراهق الصغير الذي هرب من أبيه إلى العاصمة ليصبح بعد ذلك رئيس رومانيا بأسرها.

المشهد الرابع: كيف تصبح ديكتاتورًا مثاليًّا؟ اقرأ سيرة شاوشيسكو

من بين كل المشاهد في حياة شاوشيسكو، تقص تفاصيل مشهد سنوات الحكم حكاية نموذجية للديكتاتورية، وتبين الملامح الحقيقية لشخصيته التي صنعها الفقر وسنوات السجن، وصقلتها السلطة. فعلى مدى 22 عامًا ترأس فيها رومانيا، مرت البلاد خلالها بتغيرات عدة، تحمل فيها العامة الكثير من أشكال القهر وغياب العدالة.

لم تظهر بوادر الديكتاتورية على شاوشيسكو فور توليه الرئاسة، فقد كانت سنوات حكمه الأولى جيدة نوعًا ما. تبنى خلالها سياسة الانفتاح تجاه أوروبا الشرقية والولايات المتحدة، وصار التوجه المعلن للحزب الشيوعي هو توفير سبل الراحة للشعب الروماني. على سبيل المثال، أمر بتوجيه ميزانية ضخمة لبناء مدن جديدة، بحيث يتوفر مسكن مستقل للجميع. وتدريجيًّا تم الاستغناء عن المناهج السوفيتية في المدارس.

وبالتالي اتسمت هذه الفترة بتحرر نسبي لرومانيا، إلا أنها لم تستمر طويلًا؛ تغير كل شيء عام 1971 وبالتحديد في شهر يوليو (تموز)، عندما بدأ شاوشيسكو زياراته لبعض الجمهوريات الشيوعية مثل الصين وكوريا الشمالية وفيتنام. وانبهر بشخصيتي رئيسي الصين وكوريا بالتحديد، وفتنته فكرة التحول الشعبي الكامل، وبالتالي ألقى خطابًا فور عودته إلى بلاده، أعلن فيه بداية ثورة هوية في البلاد.

ن الرئيس الروماني حملة شرسة ضد الحكم الذاتي وحكومة التكنوقراط، وشهدت هذه الفترة تدهور العلاقات الخارجية مع أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي، وأصبحت كل نشاطات الدولة تقع تحت الإشراف المباشر لنشطاء الحزب الحاكم، وانطلقت حملات ضخمة لتغيير ما أسماه «العقيدة الشعبية».

لم يكن التوجه السياسي للدولة هو الضحية الوحيدة للتغيرات الفوضوية التي استحدثها شاوشسكو، فلحق به الاقتصاد. أعلنت رومانيا دولة صناعية، وخصصت استثمارات كبيرة لإنشاء كيانات صناعية ضخمة بما لا يتناسب مع طبيعة الاقتصاد في رومانيا، إذ كانت تستهلك الكثير من الطاقة والمواد الخام. وأنفقت مبالغ كبيرة لإنشاء مبان ضخمة بدون داع مثل قصر الشعب. إلا أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت بإعلانه التوجه لسداد كافة ديون رومانيا الخارجية، غير آبه بالتأثيرات الاجتماعية للقرار. وكانت النتيجة انحدارًا حادًا في مستوى المعيشة، وإيذانًا ببدء النهاية.

المشهد الخامس: بين مطرقة التقشف وسندان البوليس السري.. قصة معاناة شعب

كانت نتائج القرارات السياسية والاقتصادية كارثية على الشعب الروماني، عانى الجميع نقصًا في المواد الغذائية، أصبح الخبز والسكر والزيت يوزعون بكميات محدودة، وتحت إشراف صارم من الحزب الحاكم. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) عام 1971، صدر قانون يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات كل من يبتاع سلعًا أساسية بما يفوق استهلاك شهر واحد.

وفي العام التالي، صدقت الحكومة على خطة وضعها مختصون لتخفيض استهلاك الفرد من 3300 سعر حراري إلى 2700 سعر بدعوى محاربة السمنة. أما الشوكولاتة والتبغ والقهوة فصارت حكرًا على الأثرياء. ولم يسلم الوقود من سياسة التقشف هذه، فاقتصر إمداد البترول على 20 لترًا فقط بالشهر. وفي عام 1988، ساءت الأمور أكثر وأكثر، إذ تبنى الحزب سياسات تقشفية جديدة، فأصبح ممنوعًا تدفئة الأماكن العامة بما يفوق 16 درجة مئوية في الشتاء، باستثناء المدارس والمستشفيات، وصار انقطاع التيار الكهربي روتينًا يوميًّا متكررًا.

 

أما أكثر أحلام شاوشيسكو جموحًا فكانت زيادة تعداد السكان إلى 20 مليونًا، وبالتالي أعلن الإجهاض جريمة يعاقب عليها القانون عام 1966، فكانت النتيجة وفاة 10 آلاف امرأة حاولن الإجهاض في الخفاء بأماكن غير مجهزة. وهو ما لم يعره الرجل أو حزبه أدنى اهتمام.

وإضافة إلى الظروف القاسية التي عاناها الشعب، بلغ قمع الحريات حدًّا غير مسبوق، فصار مجرد انتقاد الحزب تهمة يعاقب عليها الأمن الوطني أو البوليس السري، والذي كانت كل مهمته مراقبة المواطنين عن كثب، وبخاصة أصحاب العلاقات الخارجية منهم، مغادرة البلاد صارت حلمًا بعيد المنال لأغلب المواطنين، يعاقب كل من يحاول تحقيقه بالسجن والتعذيب. أما أسوأ سلبيات البوليس السري فكانت زرع الشك بين الأهل والأصدقاء، فلا يمكنك أن تثق بأحد، الجميع جواسيس وأعضاء بالبوليس السري، يترقبون زلاتك للإيقاع بك، حتى يثبت العكس.

 

المشهد الأخير: لكل ظالم نهاية.. ولكل شعب ثورة

دفع القمع وتدهور المعيشة الشعب دفعًا إلى الانفجار. بدأت الاحتجاجات عام 1987، وبلغت أوجها بنهاية عام 1989، لتتحول إلى ثورة شعبية. وبالطبع حاول البوليس السري تفريق المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع ومدافع المياه، إلا أن المحاولات كلها باءت بالفشل، ليلقي شاوشيسكو خطابًا إلى الجماهير الثائرة، بدا فيه منفصلًا عن الواقع، متهمًا إياهم بالتآمر، وأنه تم التلاعب بهم من قوى خارجية، ولما لم يفلح خطابه في تهدئة الثورة، أصدر أوامره لوزير الدفاع فاسيل ميليا، بإطلاق النار على المتظاهرين، وهو ما قابله الأخير بالرفض، ودفع حياته نفسها ثمنًا لعصيان الأمر. فأصدر شاوشيسكو الأمر للقوات بإطلاق النار بنفسه. فسقط ما يقارب 100 قتيل، ما أشعل الأمور أكثر وأكثر.

 

اضطر شاوشيسكو للهرب مع زوجته بطائرة هليكوبتر، بمساعدة وزير الدفاع الجديد فيكتور ستانكولسكو. إلا أن الطيار هبط بها قبل الوصول إلى وجهتها النهائية، خوفًا من رصدها وإسقاطها. حاول شاوشيسكو الهرب بسيارة مسروقة، إلا أنه أُوقف واعتقل مع زوجته، وخضعا معًا لمحاكمة عسكرية بتهمة القتل وإصدار الأوامر بقتل المتظاهرين، وصدر في حقهما حكمًا بالإعدام رميًا بالرصاص على الهواء مباشرة. وفي لقاء لصحيفة «التايمز» مع ستانكوليسكي أجاب عن سؤال: «هل ترى محاكمة شاوشيسكو عادلة»، قائلًا: «كلا لم تكن عادلة ولكنها كانت ضرورية».

.