ما وراء نقل سفارة رومانيا في إسرائيل إلى القدس

تقارير وتحاليل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

تراجعت رئيسة الوزراء الرومانية فيوريكا دانسيلو خطوة إلى الوراء مساء الأحد الماضي عن تصريحها الأخير الخاص بنقل السفارة الرومانية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، موضحًة أن التصريح الذي أدلت به في واشنطن حول انتقال التمثيل الدبلوماسي لبلادها لدى إسرائيل مجرد رأي شخصي من جانبها، وأن قرار نقل السفارة هذا وفقًا للدستور يعود بالصلاحية للرئيس الروماني كلاوس إيوهانيس الذي كان قد انتقد مباشرة تصريحات رئيسة الوزراء فيوريكا دانسيلو بشأن انتقال سفارة رومانيا في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس في 24 مارس (آذار)، خلال خطاب ألقته في واشنطن أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، قالت فيه رئيسة الوزراء إن رومانيا ستنقل سفارتها إلى القدس، وأن الحكومة الرومانية بدأت عملية لتقييم فرصة نقل سفارة رومانيا إلى القدس بعد أن فعلت الولايات المتحدة الشيء نفسه.

وكان رئيس الجمهورية الروماني السيد كلاوس إيوهانيس قد قال: «إن تصريحات رئيسة الحكومة تظهر جهل رئيسة الوزراء المطلق في مسائل السياسة الخارجية بدافع الرغبة في المطالبة بقرار لا يخص الحكومة الرومانية فقط، وإن القرار النهائي يخص الرئيس الذي يمكّنه الدستور من اتخاذ القرارات بشأن السياسة الخارجية للبلاد.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها للعلن خلاف الرئيس الروماني مع الحكومة بشأن مسألة تحرك السفارة، ففي أبريل (نيسان) من العام الماضي، أعلن ليفيو دراغنيا، زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم، أن الحكومة اعتمدت مذكرة لبدء إجراءات نقل السفارة إلى القدس. بعد هذا الإعلان قالت الإدارة الرئاسية إن الرئيس لم يتم إبلاغه أو استشارته بشأن هذه الخطوة. كما قالت إن هذا القرار لا يستند إلى تقييمات قوية وشاملة. وقد كان دراجنيا ورئيسة الوزراء قد قاما بزيارة إلى إسرائيل، وانتقدها الرئيس كلاوس يوهانيس، وفي اليوم التالي، طلب إيوهانيس من رئيسة الوزراء الاستقالة دون أن تمثل.

وفي سياق الغزل الصريح بين الحكومة الرومانية وإسرائيل وأمريكا كانت رئيسة الوزراء الرومانية قد أعلنت أيضًا في خطابها المشار إليه أن ليفنيو دراجنيا رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي تنتمي له سيقدم للمناقشة في البرلمان الروماني العديد من القوانين المتعلقة بالجالية اليهودية، مثل قانون منح الجنسية الرومانية لليهود الرومانيين الذين هاجروا البلاد لإسرائيل والغرب خلال الشيوعية، وأنها ستمنح رواتب تقاعدية للناجين من الهولوكوست، كما كانت رئيسة الوزراء الرومانية قد التقت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش حضورها المؤتمر المذكور، حيث هنأها على كلمتها التي ألقتها، وناقشوا أيضًا تنظيم اجتماع مشترك للحكومتين هذا العام، يسبقه منتدى اقتصادي مع قسم مخصص للأعمال التجارية لجهات الاتصال التجارية، وأكدت رئيسة الوزراء الرومانية لوسائل الإعلام اهتمام رومانيا بتوطيد وتعميق العلاقات مع إسرائيل في مجال التعاون الاستراتيجي والأمن السيبراني والطاقة والطب والبحوث والابتكار. كما التقت بنائب الرئيس الأمريكي مايك بنس الذي شكر لها موقف حكومتها من قرار نقل السفارة إلى القدس، ووعد بزيارة رومانيا، ضمن جولته القادمة في أوروبا الشرقية، وأكد أنه يدعم مبيعات الأسلحة إلى رومانيا لتطويرات قدرات الجيش الروماني، كما التقت رئيسة الوزراء الرومانية برئيسة مجلس النواب الأمريكي الديمقراطية نانسي بيلوسي التي أعلنت أنها، قبلت الدعوة التي بعثتها ليفيو دراغنيا لزيارة رومانيا.

ويعيش في رومانيا اليوم أقل من 4 آلاف يهودي روماني، من أصل حوالي 800 ألف يهودي روماني كانوا يقيمون برومانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، يعيشون على أراضيها منذ قرون، دون أن يكون لهم قبول عام في أوساط الرومانيين، حيث كان يتركز نشاطهم في إقراض الأموال بالفائدة، وكانت بوخاريست ومدن في شمال رومانيا مركز تواجد كبير لليهود، الذين طالما تعرضوا إلى تمييز وانتهاكات ومذابح على يد المحاربين، والمواطنين، وحرموا من التجنيس، ولم يتحسن وضعهم نسبيًا إلى بعد الحرب العالمية الأولى حيث تقرر في معاهدة باريس عام 1919 منحهم الجنسية الرومانية، لكن الأمور عادت تسوء مع صعود اليمين القومي في رومانيا الذي تزامن مع صعود الفاشية والنازية في أوروبا، في الثلاثينات من القرن العشرين، وقد قامت المليشيات اليمينية القومية الرومانية المسماة بالحرس الحديدي بارتكاب مذابح بحق اليهود، لكن الأسوأ كان بوصول الديكتاتور الروماني المارشال أنطونيسكو إلى الحكم إبان سني الحرب العالمية الثانية حيث تحالف بداية مع هتلر، وقام بجمع مئات الآلاف من اليهود الرومان بقصد إرسالهم إلى معسكرات الإبادة النازية، ثم تحول مع الحلفاء، ونتيجة لذلك فقد انخفضت أعداد اليهود الرومانيين من حوالي 800 ألف يهودي إلى 350 ألف فقط، وبعد انتهاء الحرب بدأت بالتواطئ مع حكومة الانتداب البريطانية عملية ترحيل جزء كبير منهم إلى الأراضي الفلسطينية قبل قيام دولة إسرائيل، وتواصلت عمليات السماح لهم بالهجرة إلى إسرائيل خلال فترة الحكم الشيوعي، وبالأخص خلال حكم الديكتاتور الشيوعي تشاوشيسكو الذي كان يقايض ما تبقى من اليهود الرومان بالمساعدات الفنية الإسرائيلية في مجالات هندسة البترول والزراعة والصناعة، في جهد منه لتعويض المساعدات السوفيتية التي كانت قيادة الاتحاد السوفيتي تقتر عليه فيها في محاولة لكبح مشاريعه التحديثية لرومانيا، ولابقاء رومانيا مجرد مصدر للمواد الخام للاتحاد السوفيتي، وكانت رومانيا تشاوشيسكو البلد الأوروبي الشيوعي الوحيد الذي لم يقطع علاقاته مع إسرائيل، رغم علاقات الصداقة التي ربطت الديكتاتور تشاوشيسكو بأقرانه من الرؤساء العرب ذوي التوجه الاشتراكي في حينه.

وتواصل الحكومة الإشتراكية الرومانية الحالية جهود التودد إلى اليهود وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، رغم كونها عضوًا في الاتحاد الأوروبي وتشغل رئيسة المجلس الأوروبي حاليًا، ويحتفظ رئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الحاكم بعلاقات وطيدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد أثار وجود رئيسة الوزراء الرومانية فيوريكا دانشيلو في فندق دونالد ترامب في واشنطن اهتمام الصحافيين الأمريكيين الذين يقولون إن رئيسة الوزراء الرومانية قد شوهدت منذ عدة أيام في بهو الفندق، لكن لا يعرف عدد الأيام التي قضتها هناك، وهم يتساءلون عما إذا كانت إقامة مسؤول أجنبي في فندق الرئيس تنتهك مادة في دستور الولايات المتحدة تنص على أنه لا يجوز لرئيس الدولة تلقي أي هدايا أو مزايا مادية من مسؤول أجنبي، وعلقت وسائل اعلامية رومانية على الخبر، ولكن ليست هذه هي المرة الأولى التي تكون فيها رومانيا في قلب مثل هذا الجدل. ففي العام الماضي، احتفلت القنصلية الرومانية في شيكاغو بالعيد الوطني لرومانيا في فندق برج ترامب. ويبدو أن الحكومة والحزب الديمقراطي الاجتماعي وهو وريث الحزب الشيوعي السابق، غير عابئة بسياساتها برئاسة الجمهورية الرومانية، والمعارضة الليبرالية الرومانية التي تؤيد التوافق مع سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط، وإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، والقدس، وتعمد الحكومة الرومانية لسياسات خارجية تتزلف وتتماهى مع السياسات الشعبوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وخصوصًا سياساته المؤيدة بالكامل لإسرائيل، وتطرح الحكومة الاشتراكية برومانيا في هذا السياق جملة من السياسات التي تتقرب فيها من اليهود، من ضمنها كما أشرنا أعلاه اقتراح منح الجنسية لليهود من أصول رومانية، ومحاولة نقل السفارة الرومانية من تل أبيب إلى القدس تماشيًا مع سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، معارضين بذلك سياسات الاتحاد الأوروبي الذي تعد رومانيا عضوًا فيه منذ عام 2007، و تترأس حاليًا مجلس الاتحاد الأوروبي، كما لو كانت ليست جزءًا منه، وغير معنية بالالتزام بسياساته، ما يؤشر إلى أزمة حقيقة في بنية الاتحاد الأوروبي، وتأثره بصعود الاتجاهات الشعبوية في كثير من بلدانه، وتوجهه ربما إلى التفكك مستقبلًا.