الانقلاب على الفساد في رومانيا

تقارير وتحاليل
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

بعد ان رأينا الشخصية الاكبر نفوذا في البلاد تتجه الى السجن، يمكننا القول مطمئنين ان ذلك يعد علامة من بين عدة علامات تبرهن بشكل لا يدع مجالا للشك على ان احدى اكثر الدول فسادا في قارة اوروبا تشهد تحولا ملحوظا نحو ادارة نزيهة تنبذ الاعمال المشبوهة والتحايل على القانون. فلو ان الاتحاد الاوروبي اراد اختيار بلد في اوروبا لكي يجعله نقطة انطلاق لحملة ما يشنها على الفساد لكان هذا البلد هو رومانيا. اذ ان هذه الدولة التي كانت سابقا ضمن الكتلة الشيوعية، والتي لحقت بركب الاتحاد الاوروبي في عام 2007، قد شهدت في فترة معينة نخبتها الحاكمة وهي تحول بين القضاة والمدعين العامين وبين قدرتهم على اجتثاث الفساد. وقد طالب الاتحاد الاوروبي، الى جانب الولايات المتحدة، بان على هذا الحليف الهام على البحر الاسود ان يكون حريصا على تجنب حدوث قلاقل داخلية يكون منشؤها سياسيين دنيئين.
فمن الجدير بالاشارة هنا انه وقبل ايام معدودات، وجهت رومانيا ثلاث ضربات موجعة الى الفساد وأهله. وهي بهذه الاعمال تحث الخطى كي تصبح انموذجا يحتذى به في الاتحاد الاوروبي على صعيد تطهير الحكومة من الفاسدين.
وربما كانت الضربة الابرز والاكثر وضوحا تتجلى في الامر بسجن الشخصية السياسية الاوسع نفوذا في البلاد، السيد ليفيو دراغنا، في اعقاب ادانته بالتلاعب في جداول الرواتب الحكومية. لقد حكم عليه بعقوبة الحبس لمدة ثلاثة سنوات ونصف. وبصفته رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم، دفع دراغنا باتجاه احداث تغييرات كان من شانها تقويض نظام العدالة والحد من قدرته على وضع المسؤولين الفاسدين- مثل من هم على شاكلته- خلف القضبان.
وقد تمثلت الضربة الثانية في تصويت ساحق خلال استفتاء صب في صالح عكس اتجاه هذه التغييرات. وقد تم تنظيم الاستفتاء من قبل الرئيس كلاوس يوهانيس، الذي يعد صوتا قويا يحث على اسلوب الحوكمة المتميزة بالانفتاح والشفافية.
واخيرا، خلال التصويت في انتخابات البرلمان الاوروبي، سدد مواطنو رومانيا ضربة قاسية الى اعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي. فقد عجز الحزب عن ان يكسب ما تزيد نسبته عن 24 بالمائة من الاصوات، اي ما يعادل نصف ما حصل عليه من اصوات في عام 2016. وهو يواجه الان بطبيعة الحال مستقبلا اشد صعوبة، لا سيما من دون وجود رجله القوي السيد دراغنا في السلطة.
ما كان اي من هذه الامور ممكنا لو ان مواطني رومانيا لم يخرجوا الى الشوارع في لحظات مصيرية من اجل التظاهر المناهض للفساد او التصدي للمساعي الرامية الى توفير الحماية للفاسدين. ان هذه الاحتجاجات كانت بذات قدر الاهمية التي كانت عليها الاحتجاجات التي اسهمت في اسقاط النظام الشيوعي قبل زهاء ربع قرن من الزمن. وقد صرحت النائب العام السابقة في البلاد لورا كوفيسي ان جهودها الرامية الى محاربة الفساد في السنوات الاخيرة قد غدت اسهل بفضل ابناء رومانيا الذين يعملون جاهدين على تغيير ثقافة الفساد، لا سيما من خلال التصدي للمطالبات الخسيسة بدفع الرشاوى.
 في حين يملك الاتحاد الاوروبي في وقتنا الحاضر فرصة افضل من اجل الوقوف الى جانب رومانيا كي تواصل الحيلولة دون استشراء الفساد، اثبت الشعب نفسه بشكل واضح ان ميوله تصب في صالح الحوكمة النزيهة.