رحلة مغترب

مقالات واراء
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
حينما وصلت حدود محلتي التي كنت أعرفها ، بدت لي غريبة لا أثر فيها يدلني على ما أختزنت ذاكرتي ، وقد غامت عيناي وأنا أرى وجوها تقترب مني وكأنها أشباح أستردت حياتها فجأة لتحل محل ملامح رافقتني سنينا مديدة فأشعرتني وقتها وكأني قادم من كوكب آخر. وحينما يستقر لقائك وسط أصدقاء هرموا ولكن مازالت بعض ملامحهم تضئ ، ولعل هذه الإضاءة هي التي منحت روحي سكينتها وهدوءها ، فأخذت أهمس في نفسي قائلا : أين ثوابت الماضي ؟؟ يبدو أن كل شئ يتداخل ، الزمان والمكان والوجوه والأحاسيس وأنت في أقصى إنفعالاتك فَرحا أم حُزنا، وحين يلاقيك صديق قديم تهدأ روحك حينا ولكن يبقى السؤال يتردد في نفسي وهو : أين أختفت محلتي التي ولدت ورأيت نور الحياة فيها ؟؟ لقد كانت محلتي جنتي الأولى وأيام طفولتي التي لا تزال خزانة ذاكرتي ، تحتفظ بها .
قال لي بعض معارفي إنك مصاب بصعقة حينما ترى أمامك أطلال هجرها أهلها الى عالم آخر ولم يبقى منها غير ركام من البيوت ينعق فيها البوم وشوارع فارغة من كل أشكال الحياة لأن كل شئ مسحته عوامل التعرية الزمنية . عندها شعرت بالإحباط والكآبة تغمرني وتلح عليّ بالعودة من حيث أتيت ، لأن ذلك يساهم في التخلص من أعباء كثيرة ، أعباء عاطفتي المتحشدة لأعود وكأني لم أسافر ولم أغترب وليس لي بيت ، هناك على تلك الأرض التي ولدت ونشأت فيها وأحببتها لأنها كانت تمثل هويتي وأنتمائي في يوم من الأيام . 
لعل الشئ الوحيد لعدم شعوري بالحزن على خراب محلتي هو أندثار ما يثير أشجاني ويجعلني رهين التيه في هذا النفق الدامس الذي يسمونه الحياة . هل أقول لنفسي : ما أسعدك حظا حتى في أحزانك ؟؟ بعد أن حجزتنا الفتاوي عن الشمس وأصبح مطري قاحلا منذ طوفان " أوتو نبشتم" عندما أنبأ "كلكامش" به ، منذ ذلك الحين أتخذت المنفى صورة للوطن الأبهى ورحت أتطلع من غيمة الى غيمة لعلها تبارك الزرع والبشر .
مزقت أحشاء الظلام بمشعل الأمل وروضت أجنحة الكآبة بالمحبة كي تتراقص البسمات وتهرب الأحزان الى الأبد حتى تحين ساعة الوداع لهذا السراب المغبر الذي يسمونه الحياة . 
كنت أغني بصوت خافت والرغبة تساورني وتطلب مني العيش ولو للحظات أشعر فيها بنكهة الماضي، الماضي الذي كنا نمضي وقتنا نلعب في حارتنا المقدسة حتى يحل الغروب الذي ينازع الليل وهو يزحف ببطئ مثل غول مخيف يبتلع في جوفه كل ما يصادفه من موجودات الكون ، هذا الماضي أصبح الآن يمثل جزءا من حياتي ويعيدني الى الحاضر الذي يجرني الى متابعة أحداث دامية ووقائع مضيئة وأزمنة صدئة تقابلها أزمنة مشرقة تلوح في الأفق ، وشباب أبتكروا سبلا شتى لفعل الخير لأبناء جلدتهم بعد أن فجروا ثورات الغضب في أوطانهم . هؤلاء الشباب الذين يعشقون الكلمة الحرة التي تعبر عن طموحاتهم بمستقبل مشرق تسوده حياة هنيئة ومستقرة بعيدة عن العنف والقلق. 
هكذا ودعت رحلتي الخيالية الى بلدي مهد أول حضارة بشرية لكني بقيت أتطلع الى بريق الأمل علّـه يبزغ في الأفق لأقوم برحلتي من جديد الى وطني الذي يحلو للكثيرين وأنا منهم أن يسميه " أرض الميعاد" .
هذه الخاطرة تبدو كأنها أحاسيس موسيقية عنيفة تغزو عمق المشاعر في روح الأنسان ، إنها نموذج لحياة أحد المغتربين الذين حاربهم القدر ورماهم في وادي النسيان في غفلة من الزمن . فالأيام تتسلل ومعها السنين ونحن سائرون نحو"حياة أفضل" كما يظن البعض .
إن الحياة كما هي دون رتوش وتزويق لا تتعدى عن كونها ملحمة خالدة عاشها البشر على أمتداد التاريخ منذ ظهور الخليقة على وجه الأرض .