علا عباس: تشاوسيسكو لا يزال حيا

مقالات واراء
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
كان تشاوسيسكو المسكين ينظر إلى الثورة الشعبية كعمل من أعمال الإمبريالية العالمية، لم يكن يريد أن يفهم أن عصر الديكتاتوريات ولى إلى الأبد، وأن عصرا جديدا بزغ فجره، وأن شمس الحرية اعتلت قبة السماء
 
في مثل هذه الأيام قبل خمسة وعشرين عاما سقط أحد أبرز الطغاة في أوروبا الشرقية، الرئيس وأمين عام الحزب الشيوعي الروماني “نيكولاي تشاوسيسكو”، والذي بقيت صورته مضرجا بدمه هو وزوجته على يد الثوار حية في الأذهان حتى اليوم.
بهذه المناسبة تحدث إلى صحيفة لو فيغارو الفرنسية رجل كان من أقرب المقربين من الديكتاتور: “إيون إليسكو” الذي اختاره الثوار بعد مصرع الرئيس ليقود المرحلة الانتقالية.
“إيون إليسكو” عمل مع تشاوسيسكو سنوات طويلة في الحزب والدولة، لكنه اختلف معه قبل سنوات قليلة من اندلاع الثورة في ديسمبر 1989 حول قضايا اقتصادية وسياسية مثل مشروع قناة “الدانوب/ بوخارست” ومحاولة نسخ التجربة الكورية الشمالية بقيادة “كيم أيل سونغ”، حيث أصدر قرارا بإقالته من جميع مناصبه، فغادر الرجل الساحة السياسية إلى الساحة الثقافية وعمل مديرا لدار نشر فتحت له آفاق التعرف على المثقفين وقادة الرأي الذين كانوا لا يزالون يجاهرون بكل آرائهم آنذاك.
في الثاني والعشرين من ديسمبر، وفيما كان عشرات الآلاف من سكان بوخارست والمدن الأخرى يتجمعون أمام القصر الجمهوري ويهتفون بالموت للديكتاتور، أطل إيون إليسكو على قناة التلفزة الوطنية ليخاطب الملايين ويقدم نفسه كبديل بعد أن انتخبه قادة الثوار رئيسا لهيئة الحكم الانتقالية المسماة آنذاك جبهة الخلاص الوطني، والتي صار اسمها بعد ذلك “المجلس الموقت للوحدة الوطنية”.
وكان من أولى قرارات هذا المجلس إصدار قانون الأحزاب وإجراء الانتخابات الرئاسية في شهر مايو من العام ذاته، والتي فاز إيون إليسكو نفسه فيها على منافسيه الثلاثة بنسبة تفوق 80% من أصوات الناخبين.
“إيون إليسكو” أول رئيس لرومانيا الحرة يكشف أنه حصل خلاف حول مصير تشاوسيسكو داخل القيادة الثورية الموقتة، بعد أن تم القبض عليه هو وزوجته في أعقاب فرارهما بطائرة هيلوكبتر إلى مكان سري على بعد نحو 100 كيلومتر من العاصمة بوخارست: تيار يرى أنه لا بد من محاكمة علنية له أمام القضاء للكشف عن آثام وجرائم نظامه، وتيار آخر يرى أنه لا بد من إعدامه على الفور لأن الأيام التي تلت اندلاع الثورة كانت جحيما لا يوصف، حيث كان الضحايا يتساقطون يوميا بالعشرات بل بالمئات على يد قوات الأمن ذات الشهرة الدموية الواسعة sécuritate السيكيروتاتي والقوات الخاصة التابعة لها، فيما الثوار لا يملكون إلا سكاكين المطابخ. في نهاية المطاف فاز التيار الثاني بأغلبية عند التصويت وكان الهدف الحفاظ بأسرع وقت ممكن على دماء الناس، وبالفعل وبعد رؤية صورة الرجل وزوجته مقتولين بأيام توقفت المجزرة تماما.
ولو كان تشاوسيسكو – يتابع إليسكو للصحيفة – لم يصدر قراره للجيش وقوى الأمن بإطلاق النار على المتظاهرين لتمت محاكمته محاكمة قانونية، مثل باقي أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الذين حكم على بعضهم سنوات قليلة بالسجن وهم الآن آمنون في بيوتهم.
وفي معرض الجواب عن سؤال الصحيفة عن عناد تشاوسيسكو وتمسكه بالحل الدموي يختم الرجل بالقول: “إن نيكولاي تشاوسيسكو لم يستطع أن يستوعب أن الدنيا تغيرت وأن أنظمة مثل نظامه في بولونيا وبلغاريا وغيرها بدأت تتهاوى أمام عينيه، وأن التغيير قادم لا محالة، ولا بد من ترك نهر التغيير يأخذ مجراه الطبيعي بأقل الخسائر الممكنة”.
لقد كان “المسكين” ينظر إلى الثورة الشعبية كعمل من أعمال عملاء الإمبريالية العالمية حتى ذهب به الظن إلى أن ما يجري في رومانيا كان من صنع عملاء روس، نعم روس، بعد فترة قيام الرئيس الروسي جورباتشوف بـ”الغلاسنوست” أو سياسة الانفتاح.
لقد أصبح الرجل عمليا إنسانا مجنونا، ورهينة أفكار بالية، لم يكن يريد أن يفهم أن عصر الديكتاتوريات قد انتهى إلى الأبد، وأن عصرا جديدا قد بزغ فجره، وأن شمس الحرية قد اعتلت قبة السماء..
ومن الواضح أن تشاوسيسكو ما زال لا يريد أن يفهم.