مارينا أبراموفيش، تأثير الفنان على المجتمع والمجتمع على الفنان

مقالات واراء
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

 

تُعَدّ الفنانة مارينا أبراموفيتش (Marina Abramović) من أهم فناني أداء الأحياء اليوم، حتى أنها تلقب أحيانًا بـ«جدة فن الأداء».
يوغسلافية المولد والمنشأ، عاشت تحت حكم الديكتاتور (تيتو) وقبضة الشيوعية الحديدية على مجتمع أوروبا الشرقية، وُلِدَت ببلجراد عام ١٩٤٦ لأبوين يعملان في الحكومة الشيوعية، الأب مُشير بالحرس الشرفي، والأم مُؤرِّخة فنية تعمل مُشرفة على المواقع التراثية.
رحل أباها عن الأسرة حين بلغت الثامنة عشر، وترك ابنه وابنته تحت وصاية الأم التي عاملتهم بطريقةٍ شبه عسكرية صارمة، و أحيانًا عنيفة.
رغم ذلك، دعمت الأم ميول ابنتها الفنية وشجعتها علىها، حتى أنها أخذتها إلى العديد من المعارض الفنية والبيناليات (biennales) خارج يوغسلافيا فتأثرت الفتاة بالعديد من الفنانين خارج إطار الفن الشيوعي داخل يوغسلافيا، منهم (روبرت روزنبرج-Robert Rauschenberg) و(جاسبر جونز-Jasper Johns) و(لويس نيفلسون-Louise Nevelson).

بدأت مارينا في عام ١٩٦٥ بالدراسة بأكاديمية الفنون ببلجراد، ثم أكاديمية الفنون بزغريب.
مع بدايات عام ١٩٧٠بدأت أبراموفيتش تقديم عروضها الأولى من فن الأداء، في البداية كانت تُقدِّم تراكيب صوتية فقط ثم انتقلت سريعًا إلى العروض الجسدية، كما بدأت التدريس في جامعه (نوفي ساد- University of Novi Sad) حتى عام ١٩٧٥.
«كل أعمالي في يوغسلافيا كانت للثورة غالبًا، ليس فقط على منظومة العائلة، لكن أيضًا على المجتمع والمنظومة الفنية، أتت كامل طاقتي من محاولة تخطي هذه العقبات الثلاث».
أعمال أبراموفيتش في تلك الفترة كثيرًا ما تضمنت وضعها تحت خطرٍ جسديٍّ ما في تلك الأعمال، مثل: تناول عقاقير مخصصة لعلاج الشلل النفسي (catatonia) والشيزوفرينيا (schizophrenia)

في العمل الفني (إيقاع٢-Rhythm 2) عام ١٩٧٤، ودعوة الجمهور لإيذائها بمجموعة أدوات منها مسدس مُعدّ للإطلاق في العمل الفني (إيقاع صفر-Rhythm 0)عام ١٩٧٤

كما جَرِحَت مِعدتها بمطواة وجَلَدَت نفسها ونامت على لوحٍ ثلجي في العمل الفني (شَفَتَي توماس-Thomas Lips) عام ١٩٧٥. قُدِّمَت هذه العروض في صالات عرض مستقلة صغيرة في يوغسلافيا، تقول الفنانة بأن كل تلك العروض شديدة الخطورة كانت تنتهي قبل العاشرة مساءً؛ لأن هذا هو موعد عودتها للمنزل اتّباعًا لوالدتها وقواعدها الصارمة.

جديرٌ بالذكر أن أبراموفيتش قدمت تلك العروض مبكرًا في وقت مولد فن الأداء بمنتصف السبعينات وفي شبه عزلة عن المجتمع الفني خارج يوغسلافيا، فلم تكن تعرف أن عروضًا شبيهة تُقدَّم في أنحاء أوروبا في ذلك الوقت، أو أنها سمعت القليل عن ما يحدث بالخارج ليس أكثر.

المرحلة التالية من حياة الفنانة بدأت عندما قابلت الفنان (فرنك آوي ليشيبين -Frank Uwe Laysiepen) المعروف باسم (يولي- Ulay)، وبدأت علاقة بينهم استمرت ١٢ عامًا ارتحلا فيها سويًا و عاشا كثيرًا من التجارب الغريبة التي كانت بمثابة دراسة عن الحياة الطقوسية والشعائرية للعديد من البلدان والثقافات، فَسافرا عبر أوروبا في شاحنة صغيرة وعاشا بعض الوقت مع القبائل الأصلية الأسترالية، وفي معبد بوذي في التبت، وسافرا عبر الصحراء الكبرى و صحراء جوبي وصحراء ثار بالهند، و قدَّما في تلك الفترة العديد من الأعمال المشتركة في صالات العروض بالكثير من البلدان الأوروبية.

و(عبور بحر الليل-Nightsea Crossing)١٩٨١-١٩٨٧، ويعد من أهم أعمالهم معًا (أحباء-Lovers)، وهو العمل الذي اتفق الفنانان على أن يكون نهاية علاقتهما الشخصية والعملية، فاتفقا أن يودِّعا بعضهما في منتصف سور الصين العظيم، على أن يبدأ كلٌّ منهما رحلته من جانب، ويلتقيا في المنتصف ليودِّعا بعضهما بطريقةٍ فنيةٍ مميزة، بعد علاقة يعتبرها الفنانان شديدة الأهمية في مشوار حياتهما، استغرقت هذه الرحلة ثلاثة أشهر مشيًا، بعدها افترق الفنانان كلٌّ إلى طريقه.

استمرت أبراموفيتش بتقديم أعمالها بعد يولي و حتى يومنا هذا، وفازت بالعديد من الجوائز منها الأسد الذهبي كأفضل فنانة في بينالي فينسيا عام ١٩٩٧، وجائزة نيويورك لفنون الأداء عام٢٠٠٣.
شرح و تحليل بعض اعمالها

إيقاع ٥ عام ١٩٧٤ – Rhythm 5 1974
تضمنت كثيرٌ من أعمال الفنانة تجارب حول حدود الوعي الإنساني والحد الفاصل بين الإدراك وغيابه، في (إيقاع ٥) صنعت أبراموفيتش نجمة خماسية من نشارة الخشب قد تُمثِّل الطقوس السحرية أو الحكم الشيوعي ليوغسلافيا وأشعلت النار فيها وهي ممدة بمنتصف النجمة بعد أن قصت شعرها وأظافرها وألقتها في النيران كطقسٍ تطهيري، وخلال تمددها بداخل النجمة اشتعلت ملابسها بالنيران وفقدت الوعي من تكاثف الدخان فجذبها الجمهور خارج النيران، بعد هذه التجربة قالت الفنانة بأنها اكتشفت أن أعمالها يجب أن ترتكز على اختبار حدود الجسد، «سأستخدم الأداء لدفع قدراتي العقلية والجسدية بعد حدود الوعي».

إيقاع صفر عام ١٩٧٤ – Rhythm 0 1974
تجلس أبراموفيتش في منتصف المعرض بجانبها لافتة تقول: «أنا شيء. وخلال هذه الفترة أنا أتحمل المسؤولية كاملةً عما يحدث»، دعت الفنانة الجمهور لاستخدام أيًّا من ٧٢ أداة على جسدها بأي شكلٍ يرغبون، بحيث تفقد هي السيطرة تمامًا . تصف مارينا هذه الأدوات بأنها أدوات للإيذاء أو المتعة، يُعد (إيقاع صفر) مثالًا ممتازًا لعقيدة أبراموفيتش المتمثلة في أن مواجهة الألم الجسدي والإرهاق التام قد يجعلا الشخص حاضرًا و واعيًا تمامًا بشخصه. كما يعكس أيضًا اهتمامها بجعل فن الأداء وسيلةً للتأثير الحقيقي على كلٍّ من المؤدي والحضور. فيصبح الجمهور جزءًا من العرض، بدلًا من أن يكونوا مراقبين سلبيين. في هذا العمل أصبح الحضور محركين أساسين للعمل، في إيقاع صفر ينقسم الجمهور إلى (أولئك الذين سعوا لإلحاق الضرر بأبراموفيش) حيث وجَّه أحدهم المسدس المحشو إلى رأسها (في حين حاول آخرون حمايتها ومسح دموعها). في نهاية المطاف، بعد أن وقفت بلا حراك لمدة ست ساعات، أصرَّت مجموعة الحضور الحامية أن توقف الأداء، بعد رؤية الآخرين الذين بدأوا موجاتٍ عنيفةٍ متزايدة، مزَّق الحضور ملابسها وجرحوها بالسكين وأشواك الورود، ودفعوها وضربوها، وعندما بدأت الفنانة بالتحرك جَرَى الجميع هاربين من مواجهتها!
«بالنسبة لي الألم والدماء وسائل للتعبير الفني ليس أكثر»

 

https://youtube.com/watch?v=3d30mfVm9ug

طاقة ساكنة عام ١٩٨٠ – Rest Energy 1980
كان (طاقة ساكنة) عملًا قصيرًا مدته أربع دقائق وعشر ثواني فقط، لكنه كان شديد الحدة والخطورة، يكشف هشاشة الخط الفاصل بين الحياة والموت، فيه تواجه أبراموفيتش (يولي- Ulay) وهو يمسك سهمًا حقيقيًا على بعد بوصةٍ واحدة من قلبها، وهي تمسك القوس من الجهة الأخرى. ووضعت ميكروفونات صغيرة على صدورهم ليسمع الجمهور دقات قلبهم المتسارعة في مواجهة الخطر المتزايد، وهذا العمل واحد من العديد من العروض التي اعتمدت على العلاقة الوثيقة والثقة المتبادلة بين الفنانين المؤديين.

 

 

١٩٩٥بعنوان (مرايا١)

جلست أبراموفيتش على كرسي لمدة ثلاث ساعات وسط هياكل عظمية لأبقارٍ تحاول تنظيفها، ثم عام ١٩٩٧ في واحدٍ من أهم أعمال الفنانة وردًّا على الوفيات التي لا حصر لها التي وقعت في يوغوسلافيا، تجلس وسط ١٥٠٠ من عظام البقر في ثوبٍ أبيض، لمدة أربعة أيام، ست ساعات يوميًا، لتغسل هذه العظام من الدماء، وتحيط بها صورٌ لوالديها ونفسها. وتَضمَّن الصوت المصاحب وصفًا بصوتها للأساليب المُستخدَمَة في البلقان لقتل الفئران، وغناءً للأغاني الشعبية اليوغسلافية وسط رائحة لاتطاق للدماء والعظام المتعفنة بسبب الحرارة الشديدة في القبو الذي قررت الفنانة تقديم هذا العرض فيه

 

بالنسبة لأبراموفيتش لم يكن كافيًا سرد عدد الناس الذين فُقِدوا في الحروب المعاصرة، بل قالت أنها تهدف لتذكُّر حياة وآمال الأفراد الذين قُتِلُوا في تلك الحروب عن طريق لمسهم وتنظيف عظامهم بعناية (أو ما يمثلها من عظام الأبقار). هنا نجد أن الفنانة حاولت إيصال فكرتها للعالم بطريقة صادمة كما كانت الحرب نفسها فكرةً عنيفة وصادمة، فكما أنه لا يُمكن تنظيف الدماء بالكامل أبدًا عن كل هذه العظام كذلك لا يُمكن محو عار الحروب عن الإنسانية.

بيت بواجهة على المحيط عام ٢٠٠٢ – The House with the Ocean View 2002
في (بيت بواجهةٍ على المحيط)، قضت أبراموفيتش اثني عشر يومًا في معرض شين كيلي(Sean Kelly Gallery) دون أكل أو تحدث أو كتابة. في ثلاث غرف بُنِيَت فوق الأرض بحوالي مترين، تنام أبراموفيتش وتشرب الماء وتتبول وتستحم وتُحدِّق في المشاهدين وترتدي زيًّا بلونٍ مختلف كل يوم. كانت قادرةً على التنقل بين الغرف الثلاث، ولكن السلالم المؤدية إلى الطابق الأسفل كانت مصنوعةً من سكاكين الجِزارة. لذا تجلس الفنانة طوال اليوم تستمع إلى صوت البندول، هنا تحولت مهام الحياة اليومية إلى مجرد طقوس مع التركيز على النفس والبساطة والقضاء على جميع جوانب السرد والحوار.

 

رأت الفنانة هذا كعملٍ من أعمال التطهير -ليس فقط لنفسها- ولكن لكل المشاهدين داخل مساحة العرض. هذا العمل يُعَدُّ تحولًا من الماسوشية في أعمالها السابقة إلى التركيز أكثر على الأفكار المجردة، ووجود طاقة مشتركة بينها وبين الحضور، لكن على الرغم من هذا لايزال هناك عنصر الخطر المتمثل في السلم المصنوع من السكاكين. وبالإضافة إلى ذلك، كان امتدادًا لأعمال الفترات الزمنية الصعبة الطويلة التي تُعد جانبًا هامًا من أعمال أبراموفيتش.
«من خلال الأداء، وجدت إمكانية إقامة حوارٍسس مع الجمهور من خلال تبادل الطاقة، فأنا لا يمكنني إنتاج عملٍ واحد دون وجود الجمهور، لأن الجمهور يعطيني طاقةً لأكون قادرةً خلال أفعالٍ محددة على استيعاب هذه الطاقة وإعادتها للجمهور، بهذا أُنشئ حقلًا حقيقيًا للطاقة بيننا».

في النهاية أعمال مارينا أبراموفيتش قد تبدو سادية وماسوشية وعنيفة بدون داعي، وقد تبدو للجمهور الغير متخصص في الفن لا صلة لها بالفن التشكيلي، وهذه فكرة قد تطارد فن الأداء نفسه في بعض الأحيان، لكن يجب أن نتذكر أن نرى هذه الأعمال في إطارها الصحيح، وفي موقعها من رحلة تطور الفنون منذ رسم الإنسان البدائي على جدران الكهوف كتسجيلٍ لإنجازته اليومية، أو طلاسم ضد عناصر الطبيعة المعادية، مرورًا بالفنون التراثية ثم النقل الحرفي للطبيعة، ثم التركيز على الموضوع فالعناصر فالتقنية، ثم الثورة على كل ما سبق والاتجاه إلى التجديد في جميع عناصر العمل الفني، ثم تجريدها، ثم الاستغناء عنها واحدةً تلو الأخرى، هنا تجد أن فن الأداء ما هو إلا درجةً في سلم تطور الفنون، فبعد تجريد الفن التشكيلي من جميع عناصره المادية لا يبقى إلا الفنان نفسه.
ورغم تغلغل جذور الأداء في الوعي الإنساني منذ الرقصات الطقسية والتعبيرية عند الإنسان البدائي، مرورًا بالطقوس الدينية الوثنية التي تضمنت العبث والإيذاء في الجسد البشري من حلق الرأس وثقب الجلد وأعضاء الجسد والوشوم والحرق والمشي على الجمر وطقوس النضج عند القبائل البدائية حول العالم والصوم عن الطعام والكلام لفترات متفواتة والاعتزال والتأمل وحتى الأضحيات البشرية الطقسية نفسها.
فإن بعض أشكال فن الأداء في العموم وأعمال مارينا أبراموفيتش على الأخص رغم عنفها وغرابتها فإنها لا تعد غريبة على التراث الإنساني إلا في أسباب استخدامها كوسيلةٍ للتعبير الفني المنظم عن أفكار الفنان ورغباته وأحاسيسه في مواجهة المجتمع. كما يجب أن نتذكر أن المجتمع الذي أفرز هذا الفن وهذه الفنانة اتسم أصلًا بالعنف والقسوة والصرامة، فجاءت هذه الأعمال كصرخة يائسة في مواجهة هذا المجتمع ولإحداث أثرٍ ما في نسيج الوعي الراكد المُعتاد على أشكال التعبير التقليدية التي لم تعد تُحدِث أثرًا أو تُوصل فكرةً أو تُغيِّر واقعًا.