رومانيا تنهي الدولة العثمانية

مقالات واراء
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

تاريخ السلطنة العثمانية عبر التاريخ، مطرز بالتجارب المذلة، بسبب انتهاج سلاطين العثمانلي الظلم والديكتاتورية في الدول التي احتلوها، بالإضافة إلى غبائهم وافتقادهم مهارات الحروب، ما أسفر عن فشلهم في الدفاع على البلاد التي كانوا يسيطرون عليها، فسقطت تباعا، لتنكمش حدود الدولة السريعة قبل أن تتعرض لهزائم مذلة أخرجت إسطنبول من معاهدة القوة الأوروبية.

ثورات البلقان ضد سلطنة الظلم اشتعلت، وساهم غباء العثمانيين في إذكائها، ورفع سقف مطالبها من الإصلاح إلى الاستقلال التام، ولما واجهوا الثوار بالقوة تدخل الروس لنصرة إخوانهم السلافيين، وطاردوا عساكر السلطان حتى حدود الآستانة، كانت فرصة ذهبية للروس وفرها غباء العثمانلي، فاستطاعوا التوسع على حساب أملاك الدولة العثمانية خلال قرن من الزمان.
حرب 1877 كانت كارثة حلت على العثمانلي، ونتج عنها استقلال بلغاريا، ورومانيا، والصرب، والجبل الأسود، واحتلال النمسا للبوسنة، وكانت بمثابة النهاية الفعلية للتواجد العثماني في أوروبا.

البلقان يغلي
الثورة ضد العثمانيين شبت في البوسنة عام 1875، للمطالبة بتخفيض الضرائب وتقليل سنوات التجنيد والإصلاح الإداري، لكن الوالي العثمانلي واجه المطالب المشروعة بالقمع والمذابح بحق الثوار، في ذات الوقت كانت الثورة مشتعلة في بلغاريا، بعد أن يأس زعمائها من الإصلاح، حيث كان رد العثمانلي بإطلاق يد ميليشيات الباشبوزق لارتكاب أعمال وحشية بحق الثوار البلغار.

القمع العثماني للمسيحيين والعرق السلافي، منح روسيا المبرر للتدخل، لحماية إخوانهم في العقيدة، والعرق، وعقدت الدول الأوروبية مؤتمراً في الآستانة لبحث أوضاع المسيحيين في البلقان، ومنع تدخل روسيا، واتفقوا على تقسيم بلغاريا، وأن تختار السلطنة ولاتها من المسيحيين، لقطع الطريق على الروس.
الدول الأوروبية ألزمت العثمانيين بضرورة تنفيذ توصيات مؤتمر الآستانة، لكنها العثمانلي رفض وجهز حملة عسكرية استعداداً للإنذار الأوروبي، التعنت العثمانلي دفع الروس للتدخل استجابة لاستغاثة البلغار والصرب، وتحالفت رومانيا مع روسيا للرد على جرائم العثمانيين بحق شعبها والثأر لكرامتها.

خطة تمويه
الجيش الروسي عبر نهر الدانوب الذي يفصل بين رومانيا التابعة للعثمانيين، وبين أراضي السلطنة، بعدما وقعت رومانيا معاهدة سرية مع روسيا تسمح لجيوش الأخيرة بدخول أراضيها، ونجح الفريق دراغوميروف في قيادة الجيش الروسي للعبور دون التعرض لنيران الأتراك وتجنب مخاطر النهر الهادر.

الفريق دراغوميروف، وضع خطة تمويه لمنع العثمانيين من تحديد مكان عبور القوة الرئيسية، فنصب معسكراً زائفاً، بالقرب من منطقة دوبرودجه، بينما كان العبور الرئيسي يتم بين منطقتي غلاطة، وبريلا، المدافعون الأتراك تراجعوا إلى الجنوب، واحتل الروس المرتفعات، وتقدموا داخل الأراضي العثمانية، وكان في مواجهتهم جيش بقيادة علي باشا، قوامه 15000 جندي، لكن الروس انتصروا عليه، ودخلوا مدن إسكاتشي، وتولتشي، وهيرسوفا، وتقدم الروس صوب مدينة نيكوبلي وترنوه.

العبور الناجح للجيش الروسي كان بمثابة الانتصار الأول، الذي ترتب عليه فقدان العثمانلي خط الدفاع الطبيعي الأول، نهر الدانوب، قبل أن ينجح دراغوميروف في قيادة فرقة من الجيش الروسي نحو مرتفعات سيستوفا ويهزم الأتراك، الذين انسحبوا نحو مدينة ترنوفا، حيث قام الروس ببناء جسرين على نهر ألوتا للعبور صوب بلغاريا، وحين حاولت مراكب عثمانية اعتراضهم، قاموا بفتح النيران عليها، فولت هاربة.

عدد القوات العثمانية في الجبهة بلغ 160 ألفاً، موزعين في مناطق نيقوبولس، ريستشوك، تريتاكي، وسيلستيرا وفارنا، علي باشا قاد جيشاً قوامه 15 ألفا جنوب دوبروجا، بينما قاد عثمان باشا 40 ألفا، وجيش آخر قوامه 60 ألفا بقيادة عبد الكريم باشا، حول شوملا، وتوزعت جيوش أصغر عدداً في المدن والجبال.

أهمية سياسية
ترنوفا كانت العاصمة القديمة للبلغار قبل غزو العثمانلي، وتقع في مكان حصين، مرتفع، وتحيط بها أسوار قوية، وتتولى قلعة قوية الدفاع عنها، الروس فرضوا الحصار حولها، وأنزلوا هزيمة كبيرة بالحامية العثمانية، ودخلوا المدينة، كما دخل الروس مدينة نيكوبلي، وانسحب العثمانيون إلى مدينة بلفنه، حيث وصل إليها عثمان باشا بجيش قوامه 22 ألف، ليعزز الحامية الكبيرة بها، وأقام حولها استحكامات جديدة.

بلفنه شهدت أشرس المعارك، ولم ينجح الهجوم الروسي الأول، بسبب شدة دفاعاتها، وقوة الحامية العثمانية، لكن الروس شنوا هجمات عديدة على المدينة، دون اختراق الدفاعات، لذا اضطروا إلى تعزيز قواتهم، وانضمت قوات أمير رومانيا إليهم، وشنوا هجوماً واسعاً على المدينة، وطور الروس تكتيك تغطية المدفعية لهجوم المشاة، بدلاً من القصف المدفعي قبل الهجوم فقط، مما كبد العثمانيين خسائر كبيرة.

عثمان باشا استبسل في الدفاع عن المدينة، لكن القوات الروسية واصلت الهجوم، وتحول بقاء المدينة في يد العثمانيين إلى هدف سياسي، إذ لم تكن أهميتها الإستراتيجية تستحق كل هذه الخسائر، لكن أهميتها السياسية تمثلت في تعطيل الهجوم الروسي، ورفع معنويات العثمانيين، بعد أن هُزموا على جميع الجبهات، أثناء المعركة جاءت نجدة إلى العثمانيين قوامها 3000 جندي، لكنهم وقعوا في الأسر، قبل دخول المدينة. 

حماقة العثمانلي
اليأس دب في قلب عثمان باشا، بسبب الحصار، وقرر قيادة هجوم شامل بنفسه، بدلاً من الدفاع من وراء الحصون، وقاد الهجوم على الخنادق الروسية، لكن المدفعية الروسية حصدت العثمانيين، وتعرض عثمان باشا نفسه للإصابة، كما فقد الأتراك 6 آلاف جندي خلال هذه "الحماقة"، وتشتت الجيش أمام الهجوم المضاد الروسي - الروماني، واستسلم الأتراك وفتحوا أبواب المدينة، ووقع 43 ألف عثماني في الأسر، بالإضافة إلى غنائم كبيرة حصدها الروس، بلغت 77 مدفع ميداني، وكميات كبيرة من الذخيرة.

العثمانيون ارتكبوا أعمال وحشية بحق الجنود الروس المصابين، ممن وقعوا في الأسر، وقاموا بإعدامهم بعد استسلامهم، في مواقع عديدة، مما جعل الروس يردون بالمثل، وقاموا بإعدام عدد من أسرى الأتراك، ونقل الباقيين إلى روسيا.
خلال معارك بلفنه، هاجم جيش روسي بقيادة الأمير إيمرتنسكي جيش عثماني قوامه 8 آلاف مقاتل، في مدينة لوفتشا، التي تبعد 12 كم عن بلفنه، واستولى على المدينة، التي تقع على الطريق المتصل ببلفنه، مما مكن الروس من تشديد الحصار حولها، ولقى 6 آلاف تركي مصرعهم، بينما فقد الروس 319 جندياً.

آمال زائفة
وخلال ذلك كان العثمانيون يجهزون جيشاً جديداً، بقيادة سليمان باشا، بلغ عدده 40 ألف جندي، وتم نقله عن طريق البحر والجبال، وانضم إلى جيش آخر يقوده محمد علي باشا، الذي اشتبك مع الروس بالقرب من نهر جانترا، حيث كانت مهمة سليمان باشا هي استعادة ممر شيبكا الاستراتيجي، الذي يتحكم في المرور عبر جبال البلقان، حائط الدفاع الطبيعي الثاني عن العاصمة، ويقع الممر بين سلسلة جبلية، ترتفع 5 آلاف قدم.

سليمان باشا كان محملاً بالآمال لاستعادة الممر الهام، طمعاً في رضى السلطان، لأن سقوط الممر تسبب في صدمة ورعب في إسطنبول، لكن قوة روسية قوامها 4400 جندي تولت الدفاع عن الممر، ونجحت في هزيمة جيش سليمان باشا، الذي قام الهجوم لمدة خمسة أيام، موجة وراء أخرى، حتى أوشكت ذخيرة المدافعين على النفاذ، لكن الجنود الأتراك ظهروا بشكل سيء، فقد كانوا يهاجمون أشد النقاط قوة في التحصينات الروسية، بدلاً من البحث عن الثغرات.

الروس قرروا القتال حتى الرجل الأخير، فقد كانت ممارسات الأتراك الوحشية بحق الأسرى، والمصابين حافزاً للروس على الاستبسال حتى الموت، الثوار البلغار كانوا يقاتلون ضمن القوات الروسية، في سبيل استقلال بلادهم، خوفاً من المصير القاسي الذي ينتظرهم في حال انتصار العثمانلي.

القوات التركية المنسحبة من تيرنوفا وصلت إلى الأتراك، ورغم ذلك فشل الهجوم، واضطر سليمان باشا للانسحاب إلى كازنليك، بعد أن أزهق أرواح 10 آلاف جندي، بينما خسر الروس 3000 آلاف فقط، قبل أن يجدد سليمان باشا الهجوم مرة ثانية، ونجح في استغلال عنصر المفاجأة، واحتلال عدد من المرتفعات، لكنه فشل في الحفاظ عليها، ولم تستطع التعزيزات الوصول إليه، وانقلب الوضع عليه، ولم يصمد أمام الهجوم الروسي، وانسحب بعد أن أزهق أرواح 3 آلاف جندي آخر.

حملة الشتاء
الشتاء كان قد حل في بلغاريا، مما أدى إلى توقف الزحف الروسي، لكن القيادة السياسية كان لها رأي آخر، لا يعتمد على الحسابات العسكرية فقط بل والسياسية، وقررت موسكو القيام بحملة الشتاء، لعبور جبال البلقان، نحو إسطنبول، قبل أن تتدخل القوى الأوروبية لدعم السلطان العثماني.

القوات العثمانية شرق بلغاريا، كانت متحصنة بالقلاع في انتظار الجيش الروسي، حيث قاد محمد علي باشا جيش قوامه 50 ألفا وتمركز جيش آخر قوامه 35 ألفا جنوب ممر شيبكا، لكن جيش روسي تعداده 65 ألفا، تولى مهمة كسر القوات التركية جنوب الممر، وكانت الأفضلية للأتراك، المتحصنين، المتمتعون بالدفء والراحة، بينما عاني الروس في درجة حرارة بلغت 3 درجات تحت الصفر.

الجيش الروسي، وعلى الرغم من سوء الأحوال الجوية، نفذ مسيرة ملحمية، عبر الجبال المغطاة بالجليد، ونجح في كسر الدفاعات التركية، واستولى على القرى، وتقهقرت القوات التركية، ووقعت بين فكي كماشة روسي، واستسلم القائد التركي، وسلم 33 ألف جندي للأسر.
القوات الروسية واصلت السير نحو منطقة فيليو بوليس، بهدف قطع الطريق على القوات التركية من احتلال ممر تروجان، بينما بدأت القوات العثمانية في الانسحاب من بلغاريا، وتعرض سليمان باشا قائد القوات إلى هزيمة ثقيلة، وبات الطريق مفتوحاً إلى إسطنبول، وسقطت مدينة أدريانوبل.
 
بعد أربعة أيام على سقوط بلفنه، سقطت مدينة قارص في الأناضول الجبهة الثانية في القتال في قبضة الروس، حين فشل العثمانيون في الدفاع عن شرق البلاد، ما دفع الصرب إلى إنهاء التبعية الاسمية للعثمانيين والدخول في الحرب مع الروس لتعزيز استقلالهم، واشترك جيش الجبل الأسود في الحرب لانتزاع المزيد من الأراضي من العثمانيين.
سياسة التمييز التي أتبعها الترك ضد مسيحي البلقان، واتخاذهم من مسلمي السلاف حائط صد أمام أبناء جلدتهم المسيحيين، تسببت في النهاية بموجة تعصب مضاد طالت المسلمين هذه المرة.

معاهدة الذل
السلطان العثماني وقع معاهدة الصلح في سان ستيفانو، بينما كان سيف القيصر الروسي مسلول على رقبته، ووافق العثمانلي صاغراً على التنازل عن أملاكه المزعومة دون اعتراض، بل وأجبر على هدم قلاعه وحصونه على حدود صربيا، وضمان حرية الملاحة في مضيق البوسفور. 

الروس ألزموا العثمانلي بدفع 245 مليون ليرة للتجار المتضررين، ولما التمست عدم قدرة الخزانة السلطانية على الوفاء، قررت موسكو قضم جزء من أراضي السلطنة لإسقاط الديون والوفاء بالتعويضات، وكانت دول أوروبا قد تدخلت لصالح السلطان، ووصل الأسطول البريطاني إلى البوسفور، ولولاه لكانت القوات الروسية دخلت المدينة.