أبو سعيد كَوَّعْ

مقالات واراء
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times
جرتْ أحداثُ هذه الحكايةِ منذ زمنٍ بعيدٍ ،بعيد ، حتى وربَّما قبل أن يرى ثلاثُ أرباعِكم النُّور ، و مِنْ قبل أن يُوضَعُ حجرُ الأساس لمخيَّم اليرموك على أراضي بساتين آل ''مهايني'' و''حكيم'' في الضواحي الجنوبيَّة للعاصمة دمشق!٠٠نعم لقد جرت أحداثُها في أواسط الخمسينيَّات من القرن الماضي وذلك في قريَة ''جوبر''التابعة لريفِ دمشق٠٠٠٠يومها كنتُ في الصفِّ الأوَّل الإبتدائي ،على ذمَّةِ ما تسعفني به الذاكرة٠٠٠كانت القريةُ وادعةً جميلة ،يخترقها نهرٌ صغيرٌ هو نهر ''تورا '' وهو يعتبرُ أحدَ  روافد نهر ''بردى'' السبعة  ويتشعبُ عنه نهر صغير يُدعى ''الخرَّار''  وتتوسطُ القريةَ  ساحةٌ كبيرة هي بمثابة مركز القرية وسوق البيعِ فيها وكانت كذلكَ مكاناً لإقامة الأعراسِ أو المآتم وفيها كانت تعقدُ أيضاً مجالس الصلح وحلِّ مشاكلِ أهالي البلد ويُلاصقها مقهى كبير ، وأذكرُ من معالمها البيتُ العربيُّ[الدمشقِي] لجدِّي / سِيدِي[ وهوعمُّ والدي] بدران العيق/أبو لطفي ، حيث كانَ قدْ حوَّلَ قبْوَهُ الفسيح إلى مشغلٍ لصناعة الحصر والبُسُطْ [جمع بساط]!٠٠٠ وكان الأهالي في تلك الأيَّام يحضرونَ قطع الملابس والقماش القديمة وهي مقصوصة على شكل شرائط رفيعة و طويلة وعادة ما تكون ملونةً مزركشة[لأنَّها بكلِّ بساطة من أقمشة مختلفة] وملفوفة على شكل كرة القدم وبحجمها وحتَّى أكبرُ من ذلك٠٠أذكر أن الأهالي كانوا يصطَّفونْ في باحة المنزل ينتظرونَ دورَهم وكلٌّ يحملُ شوالاً أو أكثر من كباكيب القماش ،حيث يقوم جدِّي بإعادةِ نسجها بواسطة آلة خشبيَّة ضخمة ،يتحكَّمُ بها بواسطة دوَّاساتٍ يضغطُ عليها بأرجُلَه فتتحركُ الخيوط والأبر فتنسجُ القماشَ، ومن ثمَّ تحوله إلى بساطٍ ملوَّنْ ، ويطولُ ويقصرُ حسبَ رغبةِ الزَبون أما عرضُهُ فكان ،عادةً، ينقصُ أو يزيدُ قليلاً عن المتر الواحد!٠٠لم يكن الأهالي يدفعون مالاً مقابلَ هذه الخدمة وإنما كانت تجري عمليةٍ مقايضة أي لقاءَ جزءٍ متَفقٌ عليه من الكباكيب التي أتَوْا بها!٠٠٠ وكان سِيدِي بدران ،بدوره، يبادلُ البُسَطَ الجاهزة مقابل قمحٍ أو بيضٍ أوغيره من المواد الإستهلاكية !٠٠٠كانت الآلة تمثِّلُ,لي كطفلٍ, شيئاً عجيباً  وبخاصة ضجيج خشباتها ،الصاعدة والهابطة و كذلك الأصوات العالية التي تشبه أصوات المطرقة ، بالإضافة لسعالِ سِيِدِي ،الذي يكادُ لا ينقطع بفعل السجائرَ التي كانت لا تفارِقُ فمهُ!٠٠٠٠كانت جوبر قرية جميلة وارفة الظلال و غالبيَّة سكَّانها كانوا من الفلَّاحين وكانت مشهورة بكل أنواع الخضرة وبأشجار الجوزِ على وجهِ الخصوص ولقد كانت ومازالت جوبر جزءاً من الغوطة الشرقيَّة وكان أهلها يمتازون بملابسهم الشعبيَّة التقلديّة فالرجالٍ كانوا يرتدون شراويل سوداء فضفاضة وفوقها قميصٌ يغلبُ عليه البياض ويضعون حزاماً عريضاً من القماش الأحمرِ البرَّاق وكان طوله وعرضه يتناسبان مع الحالة الإجتماعيّة والماديَّة للرجال وأما غطاء الرأس فكان حطَّةً بيضاءَ على الغالب٠٠٠ وأمَّا النساءُ فكنَّ يرتدين أحلى الفساطين المزركشة وذات الألوان المفرحة وكنَّ يتلفعْنَ بملاءةً إما بيضاءَ أو سوداءَ وأحياناً تكون رماديَّةً ومخططة بخطوط بيضاء مائلة وأمَّا رؤوسهن فكانتْ ,حتماً, تتغطَّى بقماش أسود يسترُ شعرَهنَّ وعلى وجوههِنَّ   كانت تُحجبُ بغلالةٍ سوداءَ شفافةٍ فتزيدهُنَّ حسناً وجمالاً!٠٠٠ويقالُ حسب الرواة بأن جوبر كانت تشكِّل أكبرَ تجمُّع لليهود في الشام ،بعد خيبر في السعوديّة  وما زال إلى  الآنِ فيها كنيسٌ يهوديٌ ،شرقي البلد،  ويعتبرُ الأقدَمُ في العالم وبه نسخةٌ نادرة من التوراة٠٠٠٠٠
هنا في هذه البلدة الصغيرة أو بالأحرى البستان الجميل عشتُ أولى سنواتِ حياتي ،بعدَ أن وُلدتُ في خرائبِ بصرى الشام قرب السويداء ومن ثمَّ إنتقلتْ عائلَتي إلى أحد بساتين جوبر قربَ نويهِر الخرَّار، الذي لا ينقطعُ ماؤه٠٠٠إستأجر والدي بيتاً لنا ، هو بالأحرى غرفةٌ كبيرة واسعة ،ترتفع بدرجتينِ عن مستوى الأرض، وسط حديقة صغيرة٠٠كان البيتُ/الغرفة يمثِّلُ لنا في آنٍ واحد غرفة النوم والمطبخ والصالون والحمَّام أمَّا بيت الخلاء فكان منزوياً في أحد زوايا الحديقة ٠٠٠٠ إحتوت الغرفة على العفش المتواضع ،بضعة كراسي من الخشب والقنَّب ، خزانةٌ ضخمةٌ أثرية من خشبٍ عتيقٍ ونمليَّة [خزانة خاصَّة لحفظ الطعام والمونة وذات أبواب زجاجيّة] وبرميل للمازوت وإلى جانبه جرَّة لماء الشرب وطاولةٍ صغيرة عليها قنديلٌ تصارعُ فيه شعلتُهُ سَكرات الموتِ ويصدرُ عنها ضوءٌ خافتٌ ويمنح لأشياءِ الغرفة خَيالاتٍ غريبةٍ متراقصةٍ مُتناغِمةً مع الضوء المحتَضِر فكان المشهدُ رهيباً مخيفاً لنا نحن الأطفال(أنا وإخوتي) بحيث لا نجرؤ أن نفتَحَ أعيُنَنا في الليل وقد زاد الطينُ بِلَّةً تلك الأصوات المخيفةً [الطقطَقَة]،التي كانت تصدرُ ،من حين لآخر ، في هدأةِ الليل عن خشب الخزانة العتيقة [حيث يقال أنَّ الخشبَ يرتاح] فتزيد رُعبَنَا رعباً على رُعبْ وخصوصاً إذاكان الأهل في زيارة خارج المنزل!٠٠٠ ولا تسَلوا عن حاجةِ أحدنا للتواليت في الليل فبمجرد التفكير بالمسافة  الواجب قطعها للوصول ،في الظلام، إلى بيت الخلاء يطردُ من رؤوسنا فكرة الخروج من الغرفة فهذا يتطلَّبُ شجاعةً نادرة لذا كان علينا أن نقضي حاجاتنا نهاراً جهاراً فقط٠٠٠٠وفي تلك الأيام كانت القصص الخرافيّة شائعة وإعتيادية عن الجنِّ والغُولة والأولياء الصالحين!٠٠٠٠ وما زلتٌ أذكر تماماً حكاية بائعِ الحلاوة الذي إختطفتهُ غولة[والبعضُ يدعي أنَّه ضبعةٌ] في فجر أحد الأيَّام وأكلته وبقيت منه بقايا عظام وملابس!٠٠٠٠
كان منزلنا يبعد عن ساحة البلدة ، حيثُ مدرستي ،مسافةَ بسيطة لا تتجاوز مئات الأمتار وكان لزاماً علينا أن نقطع نويهر الخرار عبر جسرٍ صغيرٍ أُقيمَ فوقَه  وتظَلِّلهُ شجرةٌ نَمَتْ على حافَّتِهِ وكان لها شكلٌ غريبٌ عجيب وتكادُ تنامُ على الجسر الصغير من شدَّةِ ميلانها وكان الأهالي يتقولون بأنَّها نبتَتْ فوقَ قبر أحد الأولياء ولذا كانَ النَّاس يتجنّبون المرور من تَحتها بعد غروب الشمس!٠٠٠٠
كنتُ في الصفِّ الأول الإبتدائي وأرتدي ،كما أقرانِي، الزيَّ الرسمِي آنَذاك وهو عبارة عن مريولٍ من القماش الأسود اللامع [ويبدو أنَّه قد أُختيرَ حيث يتحمَّل الإتساخ أكثر من غيره من الألوان!٠٠٠] وعلى الرقبة كنَّا نُلزمُ بوضْعِ ياقةٍ بيضاءَ من القماش أو من البلاستيك الأبيض وكانت رؤوسنا حليقةً لضمان عدم تواجد القَمْل في شَعْرِنا وكذلكَ لتسهيل القضاء عليه، الذي كان شائعاً في تلك الحقبة نتيجة عدم توفر الظروف الصحيَّة اللازمة فلم تكن هناكَ حمَّامات في أغلب البيوتِ و لذا كان عامَّةُ النَّاس يستخدِمون الحمَّامات العمومية٠٠٠٠٠، أمَّا بالنسبة لشعر البنات فكانت أهاليهنَّ يمْسَحْنَه ويعالِجنَهُ بِ زيت الكاز كي ينفِّرَ القملَ ويقضي على الصئبان(السيبان)!٠٠٠٠ 
كانَ الكازُ يستعمل على نطاقٍ واسع للتدفئة ولإنارة المصابيح ولطهيِّ الطعام ،الذي كانَ يُطهى بواسطة ''البريموس(البَبُّور)'' وهو جهاز يتألَّف من خزَّان نُحاسِي، يستوي على أرجُلٍ ثلاث، و مملوء بسائل الكاز ويرفَعُ الضَّغطُ في خزَّان الوقود(الكاز) بواسطة حاقِنْ أو محقنْ جانبي، فيصعد السَّائلُ إلى رأس البريموس وتُشعَلُ بأعواد الثقاب!٠٠٠
لم تكن الحقائب المدرسيَّة الجلدية أو البلاستيكية شائعةً وكانت حِكراً على أولاد مَيْسورِي الحال والأغنياء فقط أمَّا باقي الأطفال فكان أَهلوهُم يَخيطونَ لهمْ عادةً حقائبَ من القماش هي أقرب للخُرُجْ منه للحقيبة ،لكنَّها كانت تَفِي بالغرضْ وكنَّا بها فَرِحين٠٠٠٠
في أحد الأيَّام قرَّرنا أنا وأخي الأكبر[يكبرني بحوالي عامين] أن نذهبَ إلى الحقل المجاور لنجمع حبات الجوز المتساقطة على الأرض!٠٠٠ جمعنا كميَّةً لا بأسَ بها٠٠٠ وفي لحظةٍ نظر أخي إلى أعلى إحدى الأشجار فأغْرَتْهُ إحدى حبَّات الجوز فقرَّر إسقاطها بحجرٍ وهنا كان له ولي شرفُ إعادة إكتشاف قوانين نيوتن والبرهنة على صحَّتها وبخاصَّة قانوني الجاذبية الأرضيَّة وقانون الفعل وردِّ الفعل!!!!٠٠ إختارَ أخي حجراَ كرويَّاً أملساً لكي يضمن سرعةَ إنطلاقه بسبب شكله الإنسيابي وعدم مقاومة الهواء أثناء حركته [حسب قوانين الأيروديناميكا]٠٠٠٠ صوَّب الحجرَ وسدَّده وبعد أن إختارَ لي مكاناً مناسباً آمناً-حسبَ رأيِّهِ-تحت الشجرة قذفَ بكلِّ قوَّتِه الهدفَ/حبَّة الجوز٠٠٠٠إنطلق الحجر-القذيفة بسرعة الصاروخ فإرتطم بعنفٍ بغصنٍ، إعترضَ طريقهُ، وإرتَّد بنفس القوَّةِ[حسب قانون الفِعل وردِّ الفعل ] ساقطاً إلى الأسفل[حسب قانون الجاذبية] ومباشرة إلى مكان تواجدي المحسوب سلفاً، وبدقَّةٍ تامة وبالضبط ليرتطم برأسي الحليقَة ، محدثاَ دويَّاً هائلاً تردَّدَ صداه في جَنَباتِ الحقلِ٠٠٠  غبتُ عن الوعيِّ للحظاتٍ قليلة لأصحو على نافورةٍ  من الدَّم الأحمر القاني إنبثقتْ من رأسي٠٠٠٠٠ذكَّرني الدَّمُ والألمُ بوجوب البكاء فرفعتُ عقيرتي عندها بالصراخ!٠٠٠هُرعَ شقيقي إليَّ مرتعباً ومندهشاً من إصابتي بحجره ،حيثُ أنَّه قد درس شخصيَّاً و جيداً مكان تواجدي الآمن هذا من ناحية ومن ناحية ثانية كان متأكِّداً تماماً من إتجاه الحجر!٠٠٠أخرجَ منديلاً ،كان يوجدُ ،صُدفَةً، في جيبِه فوضعه على الجرح وضغط عليه محاولاً إيقاف نزيف الدَّم !٠٠٠٠٠٠نظرَ بحسرةٍ إلى حبَّة الجوز وهي تنظرُ إلينا بخُيَلاءٍ وتَشَّفِي!٠٠٠٠أطلقَ أخي نحوها شتائمَ أخجلُ من ذِكْرها ٠٠٠إنطلقنا نحو المنزل مسرعينَ وتاركينَ ما كنَّا قد جمعناه من الجوز٠٠٠كان البيتُ بعيداً نسبياً ودمي مازال يسيلُ بقوَّة فقرَّرنا أن نذهب إلى بيت جارنا أبو سعيد كوَّع ،الذي كان منزله يقعُ في منتصف الطريق وهكذا كان٠٠٠
مَشَيْنا أنا وأخي مُسرعيْنِ وكان مَشينا مابينَ ركضٍ وهروَلة٠٠٠ وبعد دقائِقَ معدودات شاهدْنا جارَنا أبو سعيد كوَّع على كرسيِّه العتيق أمام عتَبَةِ داره يداعبُ سيجارتَهُ التي لا تفارقُه ،متمتِّعاً بشمسِ أواخرِ أيلول الدافئة ،بينما كانتْ يداهُ مشغولتَينِ بلَفِّ سيجارتِه التالية!٠٠٠كانَ بيته الصغير على قَارِعة الطريقِ مباشرَةً ،فما أنْ رآنا ، وحتى قبلَ أنْ نعرِّجَ عليه ،طلباً للمساعدة ، ونحنُ نهرولُ والخِرقةُ الحمراءَ على صلعتي المنكوبةَ ، حتَّى قام عن كرسيِّه وألقى بآلةِ لفِّ سجائره المعدنيّة جانباً وركضَ نحونا هو يلهثُ/ بحكم السنِّ وتأثيرِ الدُّخان/ ليستطلِعَ الأمرَ ويقدِّم المساعدة٠٠٠فما أن رأيتُه حتَّى بدأت موشَّحَ البكاء إستدراراً لعطفِه وإستعجالاً لمساعَدَتِه٠٠٠إلتقينا في منتصف المسافة إلى بيته!٠٠٠ بادَرَهُ شقِيقي بلوْمِ ذلك الغُصنِ اللعينْ / الذي إعترَضَ حَجَرَهُ / ومُعلِناً بذاتِ الوقتِ براءَتَهُ من دَمِي ، وأكَّدَ  لأبي سعيدٍ مراراً وتكراراً بأنَّه قد رمى بحجرِه بالإتجاه المعاكس تماماً لمكانِ وجودِ رأسي الحليقة ومُتعجِّباً  كيفَ وجَدَ الحَجرُ بالضَّبط ، وبدِقَّةٍ مُتناهيةٍ ، طَريقَهُ الى رأس أخيه[أي أنا]!!!٠٠٠فقاطعَهُ أبو سعيد و نَهَرَه  وأَعْطاهُ سيجارَتَهُ ،التي كان يلوكُهَا في فَمِهِ ثمَ قالَ له :
أُنفُضْ رمادَ هذهِ السيجارة المُحترقة وجَمَّعْه في يَدكِ وخُذْ أنَفَاساً من السيجارة وإيَّاك أنْ تبلَعَ دخَّانها إلى جوفك  ، وذلكَ كي تحترقَ السجارةُ بسرعة  (بالمناسبة أصبحَ شقيقي  فيما بعدُ ، حين بلغ سنَّ المراهقة ،من أشدِّ مُدمِني التدخين ولا أدْري إِنْ كانت هذه من فَضائلِ أبي سعيدٍ علينا /حيثُ تذوَّقَ أخي لأوَّلِ مرَّةٍ طَعمَ التبغِ ،وأحسَّ برجولَةٍ مبكِّرة/ فكانت سبباً في وَلَعه بالدٍّخان، والله أعلم) !!!٠٠
وإستَّلَ أبو سعيد ،بدورهِ، سيجارةً أُخرى من جيبِ قميصهِ وطَفَقَ هو الآخَرُ يشفُطها بنهمٍ شديدْ وينفضُ رمادَها أيضاً في يدِ أخي٠٠٠٠كان هذا الإجراءُ هو تحضيرٌ لعملية الإسعاف الأوَّلي ، فَبِحسَبِ خبْرتِه الطويلة كان يعتقِدُ بأنَّ الرمادَ يوقفُ نزيف الدَّم!٠٠ نَزَعَ الخِرقةَ عن رأسي وسَكَبَ فوقَ الجرحِ كميَّة الرماد التي جَمعَاها وأخرجَ خرقةً أُخرى من جيْبِه وضغط بها على الجُرحِ ٠٠٠٠لم تُجدِ هذه العَمليةُ فتيلاً! ، والجُرحُ  ما زالَ ينزفْ٠٠٠٠ حكَّ أبو سعيدٍ رأسَه ،صمتَ قليلاً ثمَّ قال: هيّا بِنا إلى المنزل فلا بدَّ من وضْعِ القليل من  مسحوقِ القهوة وهو بالتأكيد سيوقف النزيف وإلتفتَ نَحْويَ وقال تصَبَّرْ أيها البطلُ ولا تخفْ ، رأْسُكَ ستكونُ بخير، فهزَزْتُ رأسي موافقاً !٠٠٠ وصلْنا بسرعةٍ إلى بيت أبي سعيد فأَجلَسَنا على عتبةِ البيت وأوْصى أخي بالضَّغطِ المستمرِّ على جُرحيَ الغَائِرْ ، ودَخلَ يبحثُ عن القهوة٠٠٠٠
يُقالُ بأنَّ أبا سعيد كَوَّعْ [وبالمناسبة لم يكنْ أحدٌ يعرفُ إسمه الحقيقي] كان من أهالي ''صفد'' و كانَ متزوِّجاً من إمرأةٍ ،إختلفَ الناس على أُصُولِها ،فلقَدْ  كانت تلفظُ حرف القاف مفخَّماً ثقيلاً، ولذا كانَ  بعضُهُمْ يظنُ أنَّها من طيرةْ ''حيفا'' ،بينما يؤكِّدُ آخرونَ بأنَّها من ''لوبية''، وقَالَ طرفٌ ثالثٌ بَلْ إنَها من ''صفورية''  وذلك على النقيض من لهجةِ زوجها المدنيَّة والقربية من الشاميَّة!٠٠
لا علينا ،كانت عائلةً فقيرةً معدمة ولم يرزقها الله-لحكمة لا يعرِفْها إلَّا هُو ،سبحانَهُ وتعالى- بالأطفالِ٠٠ وكانت الأسرةُ تعاني من المشاكلِ والفضائح  ، التي لا تنتهي وحالات الشِّجَار المُزمِنة وكان أهلُ الخيرِ وعلى رأسِهم سِيدِي ''بدران'' وأخوانِه ; سِيدِي ''موسى'' وسِيدِي ''سليم''  كثيراً ما يتدخَّلون كمَحضَرِ صُلحٍ دائمٍ لتَرقِيعِ العلاقاتِ المُهتَرِئة لهذه الأسرة التَّعِيسة ٠٠٠٠نعم كانت هذه الأسرة بالفِعلِ تَجمعُ ما بين المتناقضاتِ بإمتياز غريب عجيب!!٠٠٠٠ 
كان الزوجُ نَحيفاً طويلاً بينَما الزوجةُ كانتَ بدينةً قصيرةْ ،  و في حين كانَ هو عجوزاً  كهلاً ، كانت إمرأتُهُ  صبيَّةً في ريْعانِ الشباب٠٠٠ وكان بشِعَاً دميماً وأمَّا هيَ فكانتْ ذاتُ مِسحةٍ من الجَمالْ ، وبعكسِ شكْلِه فلقد كان مُسالماً لطيفاً ، بينما هيَ كانتْ نِكَديَّة ومشاكسة وأخيراً فقدْ كان خاملاً هادئاً وكانت شعلةً من النشاط!٠٠٠٠٠٠٠وربَّما كانَ حِرمانَهم من الأطفال وفقرِهم المدقِع ،بالإضافة إلى عَدم الإنسجامِ بينهما منْ أسبابِ المشاكِل المُستعرة بينهما!٠٠
وأمَّا لقبه ''كَوَّعْ''   فلمْ يكن إسمُه العائِلي الحقيقي ، وإنَّما إكتسبَه-وعن جدارةٍ- إكتساباً!٠٠٠ وهنا أيضاً إختلفَ العارِفُون على لَقبِه هذا، فقال طرفٌ إن ذلك يعودُ لِطولهِ الفارع ونَحافتِه الزائدة وضَخامةِ رأسه فأدَّت هذه العواملُ  الثلاثة مُجتمعةً إلى إنْحناءِ جسمه النحيف على شَكلِ كُوعٍ ولذا لقِّب ب ''كَوَّعْ'' إي إنْحنَى !٠٠٠ بيْنما يزعمُ طرفٌ آخر[ يدَّعي أنَّه أقربُ إلى هذه الأسرة وأدْرَى بأسرارها ] بأنَّ السَّببَ الأسَاسْ يُعودُ إلى نَحافتِه الزائدة بالفِعلِ  وكذلك إلى شَراسةِ زوجتِه وعدوانيَّتها  المُفرِطة فلقد كانت تضربُه باستمرار في المناطقِ الرَّخْوةِ من بَدنهِ أيْ في منطِقَة البطنْ وأحياناً كانتْ تُخالفُ حتَّى القوانين الدوليَّة وتضرِبُ في المناطِقِ المَمْنوعة أَي تَحتَ الحِزام وبفعل إستمرارية ضربها له وإعتدائاتها الجسديّة لأسبابٍ مُختلفة وما أكثرها ٠٠٠٠و يُقال-والعُهدَةُ على ذمِّة الراوي - بأنَّها كثيراً ما كانَتْ تفتعلُ المَشاكلَ على سبيلِ التَّسلِية ومُمارسةِ هوايتها المفضَّلة !٠٠٠ ولقد أدَّى ذلك إلى  التسبُّبِ بعَاهةٍ مستديمة له ، حيثُ كانَ أبو سعيدُ يُكَوَّعُ[أي ينحني] إمَّا لكي يحمِيَ نفسه من ضرباتها أو كان يُكوَّعُ من الأَلَمِ!٠٠٠٠ وعليه فكانَ مكوِّعاً طيلةَ الوقتِ آخذاً بالتدريجِ شَكلَ الكُوعِ  وتصلَّبَ جسمُه على هذه الوضعيّة فصارَ إسمهُ الشائع بن النَّاس ; ''أبو سعيد كَوَّعْ'' وكان بعضُ الناس يسمُّونَه تندُّراً ب ''السادسة إلَّأ عشردقائق'' أو ''السادسة وعشر دقائق'' ،حيث كان شكله يذكِّرهم بعقاربِ الساعة وطبعاً يختلف التوقيتُ بحسبِ الزاوية التي كانوا ينظرون إليهِ منها ،إلَّا أن ذلك لم يشعْ تداوله لطولِ الإسمِ من ناحية وثقَلِ لفظهِ من ناحيةٍ أُخرى فغلبَ عليهِ لقبُ ''كَوَّعْ''٠٠٠٠
عادَ أبو سعيد ،بعدَ إنْ إبتلعتْهُ الغرفةُ لعدَّةِ دقائقٍ ،خِلتُها دهراً والشَّرَرُ يتطايَرُ من عينيهِ وشارِبُه الكَثُّ يهتزُّ غضباً ،بينما كادت السيجارةُ المحتضِرةُ في فمِهِ ،تكادُ تحرِقُ شنَبَهُ فلفَظَها بسرعةٍ٠٠٠ كانَ يرتجفُ منْ شدَّةِ الغضبِ والإنفعالْ و بدل أنْ يحملَ مسحوقَ البُنِّ ،كانَ شاهراً بيدِه سكيناً ضخمة ،يلوِّح بها في الهواءِ ويغمغِمُ بكلمات التهديدِ والوعيدْ!!!٠٠٠ صُعِقتُ وشقيقِي من هذا المَنظرِ الرهيب وتجمَّدَ الدَّمُ في عروقِي وعلى الأغلب فأنِّ نَزيفِ رأسي ، من الرُّعبِ ، قد توقَّفْ٠٠٠وبالكادِ إلتقطُّتُ أنفاسي وسمِعْنا أبا سعيدٍ يتابعُ تهديده قائلاً ; سأُريها مَنْ هوَ أبو سعيد!٠٠٠٠إلى متى ستستمرُّ المهزله ،بعينيَّ هاتيْنِ رأيتُ علبَةَ القهوةِ وهي طافحةٌ بها هذا الصباحُ ،حين عملت دُلَّة من القهوةِ ، فتكرَّمتْ عليَّ بفنجانٍ صغيرٍ منها ، بينما هي قد سكبتْ بقيَّةَ الدُلَّةِ في حلقِها!٠٠٠بلْ إنَّ رائحتها ما زالتْ تفوحُ بالغُرفة!٠٠٠أينَ أخفَتها عنِّي ٠٠٠٠طيِّبْ سوف ترين ما سأفعلُ بكِ يا ''صبحيِّة''( وكان هذا إسم زوجته)!٠٠٠
 وضعَ السكينَ بين طقم أسنانِه الإصطناعيَّة وعضَّ عليه بشدَّة ثمَّ مدَّ يدهُ إلى حزامِهِ الجلدي ،البُنِيِّ ، وهو يستشيطُ غضباً وفكَّه وبدأَ يسحبُهُ بعنفٍ من مكانه ٠٠٠تبادَلنا أنا وأخي النَّظراتَ وكانتْ الدهشةُ والخوفُ قد عقدَتْ لِسانَيْنا٠٠٠ماذا دهَاهُ؟! وما الذي ينْوي فِعله٠٠٠٠لمْ أتحمَّل المشهد وأحسَسْتُ بسائلٍ ساخنٍ يبلِّلُ  باطِنَ ساقاي!٠٠٠
أخذ أبو سعيد الحزام ،بعدما حرَّر خصره منْه، نزعَ السكِّينَ من فمهِ وأمر شقيقي أن يمسكَ طرفَ الحزامِ البنِّي ويشدُّه إليه ،بينما أمسكَ جارنا الطرفَ الأخرَ بإحدى يديه وبدأ يحكُّ السكينَ جيئةً وذهاباً وكأنَّه يشحذه لكي يصبحَ حادَّاً٠٠٠٠إزدادَ سيلانُ السائلِ الساخن في سروالي وكدتُ أغيبُ عن الوعي!!٠٠٠ 
وضع أبو سعيد قُصاصةً من الورقِ أو جريدَةً تحت الحزام , المشدود بينه وبين أخي , ثم إنتبهتُ إلى  أنَّه كان في الحقيقةِ يحتُّ أو بالأحرى كانْ يكْشُط الحزامَ [وليس يجْلَخُه أو يَشْحذهُ ] و كان يستَجمعُ المسحوقَ الناتجَ عن الحَتِّ على قصاصة الورق ،حتَى تكوَّنَت حفنةٌ صغيرة من ''البُرَادَة -مسحوق'' الجلدِ وقال; هذا يكفي على ما أعتقِدْ٠٠٠ /ثم عاد إلى هذيانِهِ  ,لبرهَةٍ, وهو يكرِّرُ; ''أخفَتْ  الملعونَةُ عنِّي علبةَ القهوة ها!!٠٠٠٠ سأُرِيها عندما تعودْ!٠٠'' / وإلتفتَ إليَّ  وتابعَ قائلاً; هذا المسحوقُ الجِلْدي سيوقفُ نزيفَ جُرحِكَ ياوَلدي!٠٠٠ 
دخل جارُنا الغُرفةَ مجَدَّداً ،لكنَّه عادَ بسرعةٍ ، هذه المرَّة ، وكان يحملُ معه مِقَصَّاً صغيراً وقميصاً أبيضاً٠٠ قصَّ قطعةً مربعةً منه ،و وضعها جانِباً ومن ثمَّ إستمرَّ بقصِّ القميص على شكل شريطٍ طويل٠٠٠توقَّفَ بُرهَةً ، أخذ نَفَساً عميقاً ، إرتاحت أسارِيرُه وأشعلَ سيجارةً جديدة وزَرَعَها في فمه !٠٠٠ 
نزعَ أبو سعيد  بعنايةٍ منْ على رأسي خرقةَ القماشِ والتي كانت قد إسودَّتْ من رماد السجائر والدَّم المُتجلِّط  ، وضعَ المسحوقَ الجلديَّ بنيَّ اللونِ فوق جرحي وغطاهُ بقطعة القماش المربَّعة ،بعد أنْ طَواها عدَّةَ مراتٍ ( كان جارنا السيِّد ''كَوَّعْ '' على قناعةٍ راسخة بأنَّ مسحوقَ الحزام البُّنِين- بديلُ مسحوق القهوة سيقوم بمهمَة وقف النزيفِ بنجاح!٠٠٠فكلاهما ناعمٌ ولونهما بنيٌّ ، وعليهِ فمفعولهما واحد!!!!!٠) وأخذ يلف الشريط الأبيض حول رأسي ،عدةَ مراتٍ  فتشكَّلت لي عمامةٌ كعمامةِ شيخ الأزهر٠٠٠
نظرَ أبو سعيدٍ إلى ما صنعتْ يداهُ تبسَّمَ فوقعتْ بقايا لُفافَةِ التبغِ من فمه وقال مزهُوَّاً: هكذا الإسعاف وإلَّا فَلا!٠٠٠٠٠نظر الإثنان أبوسعيد وأخي إليَّ فَضَحِكا ولست أدري ;أَ ضَحِكا على العمامةِ فوق رأسي أمْ على البِركةِ التي تشكَّلت بين قدماي!٠٠٠ فضحكتُ معهما ٠٠٠٠ نظر الجارُ الشَّهمُ إلى شقيقي معاتباً إياه بأن لا يكون طمَّاعاً،في المرَّاتِ القادِمة فما على الأرض كفايةً و زيادة ، وإلَّا فليأخذ معه طنجرَةً لحماية الرأس من ناحية ولجمع المحصول فيها من ناحيةٍ ثانية!٠٠٠ ربَّتَ السيِّدُ ''كَوَّعْ'' على كَتفي وقال: لقدْ صَمدْتَ أيُّها البطلُ المبلَّلُ،عفواً أقصدُ المبجَّلُ ،فضحكنا ثلاثتُنا; هُما عليَّ وأنا على نفسي٠٠٠٠ثم أردَفَ ;إنزعْ سروالَك حتى لا تبرُدْ، فبيتُكم قريبٌ ولا أحدٌ في الطريق٠٠٠٠ ولا تنسَ أن تَقصَّ حكايتِكَ هذهِ لأحفادكْ ،وها أنا أفعل!٠٠٠
شكَرنَا أبا سعيد  وتركْنَاهُ ، وقد تذكَّر من جديدٍ حكايةَ إخفاء القهوة من قِبَلِ زوجتِه ''صبحيِّة'' فعادَ إلى لُغةِ التهديدِ والوعيد  لها !٠٠٠قلتٌ في نفسي: كِفَّ عن هذا فميزانُ القوى ليس في مصلحتِكَ أبداً ولو كان غيرَ ذلكْ ، لمَا كان لقَبُكَ ''كَوَّعْ''  وتعجَّبتُ ممَّنْ أسماهُ بأبي سعيد وهو لم يرَ السعادةَ في حياتهْ ٠٠٠دنيا!!!٠
محمد طرزان العيق