الكردي "جان دوست": الكتابة قدري.. وفقدتُ مدينتي "كوباني" بسبب "داعش"

أدب وأدباء
Typography
  • Smaller Small Medium Big Bigger
  • Default Helvetica Segoe Georgia Times

يقول: "الكتابة قدر، ومن قُدِّرت عليه الكتابة حمل بين ضلوعه جمرة لا يطفئها إلا الموت".

يحمل الروائي الكردي جان دوست رؤية فلسفية ذاتية في الكتابة، لكنه لا يدعي أن لديه رسالة للعالم، فهو أصغر شأنًا من أن يحمل رسائل لهذا العالم المجنون، فقد عرفنا هذه البشرية المتوحشة منذ نشأتها، منذ قتل قابيل أخاه هابيل. ووجدنا أن مئات الأنبياء والرسالات السماوية، وآلاف الفلاسفة والمصلحين لم يصلحوا من شأنها، فأية رسالة سيحملها هو؟ 

جان دوست، من مواليد حلب/ سوريا عام 1966، مُقيم بألمانيا، عمل في الصحافة منذ عام 1988، مراسلًا وكاتبًا ومحررًا، درس العلوم الطبيعية في جامعة حلب بين عامي 1985 و1989، لم تحقق شغفه الواسع في الحياة، فطرق عالم الأدب والإبداع، وأصدر ترجمات ودواوين شعر وروايات باللغتين الكردية والعربية، من أعماله بالعربية: "دم على المئذنة"، و"عشيق المترجم"، و"نواقيس روما".

يكتب "دوست" لينتصر على الموت، فلا يهزم الموت شيء مثل الكتابة. هو لا يدّعي أن الكتابة إكسير يمنع الموت الفيزيائي للجسد. هذا مستحيل. لكن الكتابة تحفظ الإنسان، أي تحفظ مشاعره وصوره وأخيلته وأحاسيسه لألوف السنين. فما زال هوميروس يعيش بيننا بكل صخب ملاحمه، وما زلنا نسمع قرقعة السلاح من ملحمتيه الرائعتين الإلياذة والأوديسة. ما زال فرجيل معنا. ما زال امرؤ القيس بيننا يبحث عن ملكه الضائع ويحدث الليل الطويل يرجوه أن ينجلي.

دخل عالم الأدب على صهوة الشعر فانطلق به سريعًا في براريه الشاسعة، فكان أول كتاب له بالعربية عنوانه "شعر وشعراء" صدر عام 1991 وفيه يضم سير حياة شعراء أكراد وقصائدهم التي ترجمتها للقارئ العربي، وفي نفس العام أصدر ملحمته الشعرية الكردية "قلعة دمدم" في بون عاصمة ألمانيا الاتحادية آنذاك، بعد ذلك صدرت مجموعة شعرية عنوانها "أغنية لعيني كردستان" عام 1995، ثم صدر كتابه الشعري الثالث والأخير ديوان "جان" الذي ضم قصائدي الكردية الكلاسيكية وطبع مرتين.

 

استقر في جزيرة الرواية بعد أن استخدم قوارب القصة والشعر فأوصلته بأمان إلى الجزيرة، في هذه الجزيرة وجد نفسه، يقول من موضع قدمه بالجزيرة: "رأيت عالمًا ساحرًا متعدد الألوان والأطياف. قلت لنفسي هذا هو فردوسي الذي تهت وأنا أبحث عنه. بطبيعة الحال الشعر والقصة القصيرة ما زالا معي في جنتي. أستخدمهما في رواياتي. لا أستغني عن لغة الشعر ولا يمكن لي أن أستغني عنها وهي التي ولدتني وربتني وأوصلتني إلى ما وصلت إليه".


الرواية عنده ليست سوى تاريخ، تاريخ لشخصية أو مكان أو حدث ما، فلا رواية خارج التاريخ. أما نمط رواياته التي تستلهم التاريخ فلا يمكن حشرها في الجنس الذي درج النقاد على تسميته "الرواية التاريخية". 

وفي مسارب التاريخ يبحث عن لغز؛ لغز سبب كل هذا الظلم لشعب دافعت عنه الجغرافيا وظلمه التاريخ. شغفه بالتاريخ جزء من الأخذ بالثأر. 

هو يثأر من هذا التاريخ الأسود فيفككه في رواياته، ويبحث في كل زاوية منه عن حلقة مفقودة ويعثر على كم هائل من الوثائق التي تدين التاريخ كحركة إلى الأمام.

شغفه بالتاريخ ليس مرده إلى النوستالجيا؛ فهو لا يدعي أننا عشنا عصورًا ذهبية غابرة بل على العكس. يعود إلى التاريخ ليقرأ الواقع على ضوئه ويحاول رسم طريق المستقبل. وما يكتشفه خلال عودته إلى الوراء يبثه في ثنايا رواياته. 

نقطة أخرى تدعوه إلى كتابة الرواية التاريخية، وهي أن تاريخ الكرد لم يكتبه الأكراد أنفسهم على الرغم من أنهم كانوا مادة فعالة في رسم مساراته في الشرق وحتى في الغرب أيام الصليبيين، لذلك يحاول أن يكتب تاريخا مغايرًا للمألوف وربما صادمًا في بعض الأحيان.


جان دوست يكتب باللغة الكردية وهي لغته الأم وكذلك كتبه باللغة العربية وهي لغته الأم الثانية، وهو نادر أن نجد كاتبًا يكتب بلغتين يعتبرهما كليهما لغته الأم.

في رواية "دم على المئذنة" أنسن الجماد، فقد جعلت من الطلقة إنسانا يشعر بالسأم والوحدة والملل، يقول عن ذلك: "الطلقة رمز، رمز للحرب القاتلة العمياء، رمز للقتل العشوائي أو بصورة أدق القتل الذي يستهدف الأبرياء بقصد الإرهاب وبث الخوف في النفوس".

أراد من خلال كتابة سيرة حياة الطلقة أن يدين الحرب وسفك دماء الأبرياء أولًا، ثم كانت له غاية إبداعية وهي أن يتقمص طلقة تنطلق من فوهة الرشاش بسرعة هائلة وتسترجع ذكرياتها بدءًا من ولادتها في معمل روسي وانتهاء بموتها في دماغ أحد الشبان الذين طالتهم يد الغدر ذات مساء حزين في بلدة عامودا الكردية شمال سوريا. 


فقد "دوست" مدينته "كوباني" بكاملها بسبب هجوم تنظيم داعش الإرهابي، وهو تنظيم يراه  محاولة لجر الحاضر إلى ماضٍ وحشي علينا بتجاوزه، ويُوصّف التنظيم بأنه لعبة كبيرة، جيء بها إلى المنطقة للعبث بها وتنفيذ مخططات الكبار. 

الحل – كما يراه- هو أن الثقافة العربية يجب أن تعيد وجهها المشرق، أي يجب أن يعود ابن رشد وابن سينا والفارابي والبيروني وابن هيثم وابن حيان إلى الوجود. 


يعني إحياء الثقافة التنويرية عبئا عظيما لكن على الأمة أن تنوء بحمله وإلا ضاع هذا الوجه الحضاري لصالح رؤية قاتمة للكون والإنسان. 


ووحش التنظيمات المتطرفة التي تلقى دعمًا وتسهيلًا من دول ودوائر سوداء كثيرة وهي أكبر من أن تواجهها مجموعة من أدباء العصر. ليست المهمة الوحيدة للأدب أن يفتح جبهة في مواجهة الإرهاب ولا يقع على عاتق الأدباء أن يشكلوا كتائب لمحاربة الإرهابيين والمتطرفين. نحن هكذا نحصر الأدب في زاوية واحدة هي زاوية الالتزام ونلغي أهم شرط إبداعي وهو الحرية. الأدب يحاول أن يجعل العالم أجمل وأكثر سلمًا.


وفي "نواقيس روما"، أكد أن هوية المرء الحقيقية هي ما يبنيه بوعيه وفكره وبمحض إرادته، وليست تلك التي يرثها عن أبويه وبيئته، أراد أن يدين التطرف ويدعو للتسامح بين الشعوب والديانات، في ظل ارتفاع وتيرة التطرف وفواح رائحة الكراهية فكان لا بد من أن يكتب رواية "عشيق المترجم" ثم جزءها الثاني "نواقيس روما". 

جان دوست ليس على علاقة ودية مع أية سلطة. ويرى أن المثقف بحد ذاته سلطة موازية للسلطة السياسية، ويكرر دائًمًا أنه على المثقف أن يكون إضاءة مرور حمراء في وجه تمادي السلطة في الظلم.

لا يفهم الصراع بين السلطة والمثقف إلا في إطار ثنائية الظلم والعدل، وعلى المثقف أن ينحاز لجانب العدل دائمًا. لأن السلطة بطبيعة الحال تميل إلى الفساد ولذلك على المثقفين أن ينأوا بأنفسهم عنها ويبتعدوا قدر الإمكان من الانخراط في مشاريع السلطة إلا ما كان في خير البلاد والعباد. 

يدعو إلى نقد السلطة، والنقد لا يعني التطرف والعنف. هذا شيء آخر. العنف يدينه بالإجمال، لكن ما يعنيه هو أن المثقف ناقد بطبعه. ويفسر النقد على أنه مثل "نحت الحجر"، والنحات يأخذ الصخرة الصماء، يضربها بإزميله، ينحتها ويقرعها بصبر وحكمة حتى يستخرج منها تمثالًا جميلًا.

الشعوب المأزومة تُنتج إبداعًا جيدًا، فالمحنة والألم والأزمات الكبرى تولد إبداعًا قويًا، وأزمة الكرد التاريخية والمزمنة. يقول عنها: "نحن محرومون من دولة تمثلنا، وهذا هو هاجسنا الكبير ووسواسنا القهري بلغة علم النفس، نحن محرومون كم الحلم الذي حققته مئات الشعوب".


وهذا ما صبغ أدب بعض الكرد بالحلم والتطلع الدائم إلى الاستقلال منذ أحمد الخاني في القرن السابع عشر وإلى يومنا الحالي، فقد جاء إنتاجه الروائي في معظمه انعكاسًا للواقع الكردي، للتاريخ الكردي، وللمحنة الكردية وللأحلام الكردية أيضًا. 


فمن أصل ثماني روايات كتبها منذ عام 2004 ، لديه خمس روايات مكرسة للهموم الكردية. لوصف حال الكرد ومجتمعاتهم وما جرى لهم في تاريخهم البعيد والقريب. فلا يمكن للإنسان أن يعيش بمنأى عن ما يتعرض له شعبه. 

جان دوست لم يختر قوميته بنفسه. ويقيناً لو كان له الاختيار ربما اختالا قومية أخرى. لكنه ورث عن والديه لغة وذاكرة "ولا بد من أن أبقى وفيًا لهما"، بحد قوله.

كتب لمازن رفاعي

بقايا أحلام ممزقة 

Frânturi de visuri spulberate
May 3, 2008
 

العودة الى شواطئ الحقيقة 

Reîntoarcerea la ţărmurile adevărului 

 Nov 15, 2011
وداعا ياوطن
La revedere patrie

 

May 2, 2016